شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٩٥ - ٨ وَأُصُولَ الكَرَم
الشريفة العظيمة هو من يتمتّع بضبط نفسه ويملكها عند الغضب، وهذا لا يتاح لكلّ أحد.
ومن النماذج علی سموّ الأخلاق والكرم الإنساني نقرأ في سيرة الإمام السجاد علیه السلام أنّه كانت له جارية، وفي أحد الأيّام وحينما كانت تسكب الماء على يد الإمام ليتهيّأ للصّلاة، سقط الإبريق من يدها علی وجهه فشجَّهُ، فرفع رأسه، فإذ بالجارية تقول له بلباقة: إنّ اللّٰه عز و جل يقول: (وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ)، قال: قد كظمت غيظي، قالت: (وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ)، قال: قد عفا اللّٰه عنك، قالت: (وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ)[١]، قال: اذهبي فأنت حرّة.[٢]
ومن أُسس العفاف الاجتماعي في المجتمع الإسلامي أن يصون الإنسان عينه من النّظر إلى ما يحرم النظر إليه، وبالتالي فإنّ غضّ البصر صفة اُخرى للإنسان الكريم الفاضل، وكانت الدعوة الإلهيّة إلی غضّ الطرف في الآيات الشريفة دعوة عامّة للرجال المؤمنين والنساء المؤمنات علی حدٍّ سواء:
(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ... وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ).[٣]
قمّة الكرم
إذا ما نظر الإنسان إلى القيم الإنسانيّة السامية، يجد نفسه ميّالاً إلى الكرامة، حتّى إذا ما تردّد في اختيار درب مسيره، فسيبحث بالتأكيد عن طريق يؤمّن له الكرامة الإنسانيّة في داخل ذاته، وقد عرّف لنا رسول الرحمة الطريق السريع الموصل إلى قمّة الكرامة بقوله:
كَرَمُ الرَّجُلِ دينُهُ.[٤]
إنّ الدين بطبيعته شاملٌ لكلّ الفضائل والقيم؛ إذ نجد فيه كلّ ما هو حسن ذاتاً، والإسلام بوصفه أكمل الأديان وأتمّها وضع للإنسان برنامجاً خاصّاً لغرس كلّ الفضائل والقيم في ذاته، ولتنعكس تلك القيم فيما بعد علی سلوكه العام، وعليه فإنّ المؤمن الحقيقي هو
[١] . آل عمران: ١٣٤.
[٢] . الإرشاد، ج۲، ص١٤٦.
[٣] . النور: ٣٠ ـ ٣١.
[٤] . مسند ابن حنبل، ج٣، ص٢٩٢، ح٨٧٨٢.