شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٨ - ٣٢ وَذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ
إنّ الأديان الإلهيّة ــ وبالخصوص الإسلام ــ حاربت الأفكار المنحرفة والباطلة، ولم يفرّق الدين الإلهي بين الذكر والاُنثى، وانطلق الفكر الإسلامي من مبدأ احترام الاُمّ في تنشئة الطفل ابتداءً من عالم الأرحام وصولاً إلى حين الولادة وما بعدها. لكنّ ترسّبات الأفكار الجاهليّة كانت تعرقل نفوذ الفكر الدينيّ، وكان بعضهم يحاول عن هذا الطريق أن يلقي شبهة عدم انتساب الأئمّة المعصومين علیهم السلام بشكل مباشر للنبيّ صلی الله علیه و اله، وكان أهل البيت يفنّدون تلك الشبهات ويجيبون عليها لإثبات مصداقيّتهم لمفهوم أهل البيت علیهم السلام [في القرآن] وتوثيق عُراهم برسول اللّٰه صلی الله علیه و اله.
فعلى سبيل المثال نرى أنّ الخليفة العبّاسي هارون الرشيد يُلقي شبهةً من هذا القبيل على الإمام موسى الكاظم علیه السلام، والإمام علیه السلام يردّها باستدلاله بآية قرآنيّة واضحة مُفحِمة؛ والقصّة كالتالي يرويها الإمام علیهم السلام نفسُه:
قالَ [هارونُ الرَّشيدُ]: كَيفَ قُلتُم «إنّا ذُرِّيَّةُ النَّبِيِّ صلی الله علیه و اله والنَّبِيِّ صلی الله علیه و اله لَم يُعَقِّب، وإنَّما العَقِبُ لِلذَّكَرِ لا لِلأُنثىٰ، وأنتُم وُلدُ البِنتِ ولا يِكونُ لَها عَقِبٌ؟ فَقُلتُ: أسأَلُكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ بِحَقِّ القَرابَةِ وَالقَبرِ ومَن فيهِ إلّا ما أعفَيتَني عَن هٰذِهِ المَسأَلَةِ.
فَقالَ: لا، أو تُخبِرَني بِحُجَّتِكُم فيهِ يا وُلدَ عَلِيّ، وأنتَ يا موسىٰ يَعسوبُهُم وإمامُ زَمانِهِم،كَذا اُنهِيَ إلَيّ، ولَستُ أعفيكَ في كُلِّ ما سَأَلتُكَ عَنهُ حَتّىٰ تَأتِينَي فيهِ بِحُجَّةٍ مِن كِتاب اللّٰه تَعالى، وأنتُم تَدَّعونَ ـ مَعشَرَ وُلدِ عَلِيٍّ ـ أنَّهُ لا يَسقُطُ عَنكُم مِنهُ بِشَيءٍ ألِفٌ ولا واوٌ إلّا وتَأويلُهُ عِندَكُم، وَاحتَجَجتُم بِقَولِهِ تَعالىٰ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)[١]، وقد استَغنَيتُم عَن رأيِ العُلَماءِ وقِياسِهِم!
فَقُلتُ: أتأذَنُ لي فِي الجَوابِ؟ قالَ: هاتِ.
قُلتُ: أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ! بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ: (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ^ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ).[٢]
[١] . الأنعام: ٢٨.
[٢] . الأنعام: ٨٤- ٨٥.