تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٧٨ - الأمر الثالث في ثمرة بحث الاجتماع على القولين
وبين القول بالجواز وهو الفارق أيضاً بين المقام وبين صلاة من توسّط في الأرض المغصوبة في حال الخروج ـ إذ تصرّفه حينئذٍ وإن كان مبغوضاً ومعاقباً عليه بالنهي السابق الساقط ـ إلا أنّه بعد سقوط النهي لا مانع من الأمر بالصلاة، فيتعلّق بها الأمر، فيصحّ إتيانها عبادة. فالتعليل إثباتاً ونفياً هو وجود الأمر وعدم وجوده، فيصحّ على القول بالجواز مطلقاً وعلى الامتناع في صورة الجهل قصوراً دون صورتي العلم والجهل عن تقصير.
لكنّك خبير بأنّ المتأخّرين لايلتزمون بذلك وقد استقرّ مبناهم على كفاية قصد الملاك وعدم اشتراط وجود الأمر في صحّة العبادة.
وإمّا هو الوجهان المذكوران في كلام صاحب «الكفاية» أحدهما عدم إمكان تمشّي قصد القربة بإتيان المحرّم. والثاني عدم صلاحية الفعل لأن يتقرّب به بعد فرض كونه مبعّداً[١] وكلاهما مخدوش وإن تسالم عليه جلّ الأصحاب، بل كلّهم.
لانتقاض الأوّل بما يرى بالوجدان في أعمال العامّة من الناس؛ فإنّهم قد يرتكبون الغصب مع العلم بحرمته ومع ذلك يقيمون فيه الصلاة ويأتون بها وليس الداعي لهم فيها إلا إطاعة أمر الله تعالى ولو لاها لما كانوا يصلّون أصلاً لعدم ترتّب ثمر عليها عندهم أصلاً. بل هو كذلك في أعمال أهل السنّة عوامّهم وخواصّهم؛ فإنّهم مع اعترافهم بحرمة الغصب وباشتراط القربة في العبادة يفتون بصحّة العبادة في الغصب ويؤتون بها ناوياً بها القربة من دون ريب. وتمشّي قصد القربة وعدم تمشّيها ليس أمراً خفيّاً، بل هو ظاهر واضح لعامّة الناس، فإنّ من
[١]. كفاية الاُصول: ١٩٠ و ٢١١.