تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ١١٧ - الوجه الثاني أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة
والمفسدة ولم يحرز الغالب منهما وإنّما يحتمل تساويهما أو غلبة كلّ منهما، فهما متساويان احتمالاً أو محتملاً؛ فإنّه عند ذلك يدّعى تقدّم دفع المفسدة على جلب المنفعة.
والتحقيق أن يقال: إنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ العقلاء لا يقدمون على فعل فيما إذا اُحرز أنّ فيه مصلحة ومفسدة متساويتين من دون ترجيح ولكن ليس ذلك من باب أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة وإنّما هو للزوم اللغوية والعبث، حيث لا يثمر له شيئاً ولا يجلب له منفعة أزيد من الضرر الذي يرتكبها كما لا يقدمون على فعل ليس فيه مصلحة ولا مفسدة.
وهكذا فيما إذا احتمل الغلبة في كلّ منهما بنحو سواء؛ فإنّ ذلك لا يصير له داعياً له على الفعل فتقديم الترك ليس من باب هذه القاعدة، بل من باب عدم الداعي إلى الفعل وأنّ الترك أقلّ مؤونة بلا كلام.
ولذلك تراهم أنّه لو احتمل غلبة المنفعة فقط فكثيراً يقدم على الفعل ابتغاءً للمنفعة المحتملة كما هو سيرتهم في معاملاتهم اليومية وأولى منه ما إذا اُحرز غلبة المنفعة وحينئذٍ فلم يبق للقاعده مورد أصلاً.
هذا في إراداتنا المباشرية وأمّا في الأحكام الشرعية فلا يتصوّر فيه الجهل والترديد في مقام الجعل والتشريع نعوذ بالله من التفوّه بذلك، بل في الواقع إمّا يغلب المصلحة أو المفسدة، فيتعلّق به الأمر أو النهي أو يتساويان، فلابدّ من الحكم بالتخيير، أو لا مصلحة فيه ولا مفسدة فلا حكم إلا بالإباحة.
وأمّا العبد فإن أحرز أحد الوجوه الثلاثة فهو وإلا فلابدّ من الرجوع إلى الأصل في المقام.