تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٤٨٥ - الأمر الثاني في التجرّي
والثاني مستلزم لما لا يمكن الالتزام به. والصحيح هو الأوّل، وقد مضى الكلام فيه مستوفى في مبحث الطلب والإرادة وأنّه ليس ملاك اختيارية فعل سبقه بالإرادة حتّى يتسلسل، بل للإنسان خصوصية يعبّر عنها تارة بهجمة النفس، أو تاثير النفس، أو الاختيار، أو السلطنة. وهذه كلّها وراء صفة الإرادة.
وبعبارة اُخرى: الاختيار صفة من الصفات الذاتية للإنسان. ويدلّ على ذلك قضاء الفطرة وأنّ في كلّ فعل يتردّد أوّلاً، ويقول: أفعل أو لا أفعل... (اينكه گويى اين كنم يا آن كنم...).
والمحصّل: أنّ ملاك اختيارية الفعل أنّه إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
فكلّ من يمكن له ذلك بالتأمّل في عواقبه فهو فعل اختياري سواء كان فعلاً جوانحياً أو جناحياً.
نعم لو لم يكن كذلك وصار بحيث خرج عن حيطة فكره لم يكن الإرادة اختيارية كما في نفس الفعل وفي هذا المورد نلتزم بعدم العقاب.
هذا كلّه ما يقتضيه العقل والوجدان. وأمّا بحسب الأدلّة الشرعية فيمكن الاستدلال لهذا المدّعى بجمع من الآيات والروايات.
أمّا الآيات فمنها: قوله تعالى: )لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فى أيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ([١].
بدعوى: أنّ الظاهر منها عدم ترتّب المؤاخذة على الأيمان اللغوية التي لا يرتّب الحالف عليها الأثر ولا يعمل بها، بل يؤاخذ الله على ما في القلب من إرادة عدم العمل بما حالف أو عدم إرادة العمل به. فالمراد باللغوية جعله لغواً عملاً.
[١]. البقرة (٢): ٢٢٥.