تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٤٦ - جواب «الكفاية» عن القسم الأوّل من العبادات المكروهة
نعم، يمكن أن يحمل النهي في كلا القسمين على الإرشاد إلى الترك الذي هو أرجح من الفعل أو ملازم لما هو الأرجح وأكثر ثواباً لذلك وعليه يكون النهي على نحو الحقيقة لا بالعرض والمجاز فلا تغفل[١]، انتهى.
وهذا كلّه كما ترى ارتكاب لتأويل ظاهر النهي من جهة اللابدّية، فإنّ ظاهر النهي يقتضي أن يكون لمفسدة في الفعل واجتماعها مع المصلحة في فعل واحد من جهة واحدة غير ممكن وإن فرض كونها من جهتين فحيث لا مندوحة له لابدّ أن يكون الحكم تابعاً للأهمّ بعد الكسر والانكسار لا أن يبقى فيه الملاكان والحكمان، فلذلك لابدّ من رفع اليد عن ظاهر النهي بإرجاعه إلى استحباب الترك لوجود مصلحة في جانب الترك وحيث إنّ الترك بنفسه أمر عدمي لا يعقل وجود مصلحة فيه، فلابدّ وأن يكون في عنوان وجودي منطبق عليه أو ملازم له. وهذا الجواب مأخوذ من العلامة الأنصاري١[٢] ومع ذلك بظاهره غير تامّ وذلك لأنّ التخيير بين الفعل والترك وتعلّق الأمر التخييري بهما لغو لايصدر من الحكيم؛ فإنّ العبد لا يكون خالياً عنهما وهو إمّا فاعل أو تارك من دون احتياج إلى البعث، بل لا يمكن له الإتيان بأحد طرفيه بداعي القربة؛ ضرورة عدم خلوّه عن أحدهما بالطبع. وهذا بخلاف المستحبّين المتزاحمين لإمكان خلوّ الإنسان عنهما وعدم القيام بفعل أحدهما في ذلك الباب وحينئذٍ يمكن أن يكون إتيانه بأحدهما سواء كان هو الأهمّ أو غيره بداعي القربة ويصحّ أيضاً تعلّق الأمر والبعث بهما تخييراً عند تساويهما في الملاك.
[١]. كفاية الاُصول: ١٩٨ ـ ١٩٩.
[٢]. مطارح الأنظار ١: ٦٣٧.