تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٥ - في متعلّق النهي
تحت الاختيار، فلا يصحّ أن يتعلّق به البعث والطلب، فلا محالة لابدّ من رفع اليد عن ظهور اللفظ في ذلك وإرجاعه إلى ما هو بالاختيار و هو الكفّ.
واُجيب: بأنّ العدم الأزلي وإن لم يكن بالاختيار إلا أنّ استمراره ودوامه إنّما هو باختيار العبد ولو لا ذلك للزم أن لا يكون الفعل أيضاً اختيارياً، فإنّ الفعل الاختياري إنّما هو ما يتعلّق به الاختيار فعلاً و تركاً، فما ليس تركه بالاختيار لا يكون فعله أيضاً بالاختيار، بل لما كان الكفِّ أيضاً اختيارياً؛ لأنّه ليس إلا الترك عند وجود الإرادة[١].
وربما يختلج بالبال كون السرّ في ارتكابهم لهذا التأويل والتقييد وإرجاعهم متعلّق النهي إلى الكفّ وجهاً آخر لا يخلو عن اعتبار. وذلك بعد تصحيح محلّ البحث ـ على ما مرّ من أنّ معنى النهي ليس هو الطلب حتّى يقال: إنّه طلب الترك أو الكفّ، بل هو الزجر عن الفعل ـ بأنّ متعلّق الزجر هل هو مطلق الفعل أو مختصّ بما كان في العبد داعي الفعل، فأنّ النهي إنّما هو الزجر بداعي انزجار العبد وارتداعه كما أنّ الأمر هو الأمر بداعي انبعاثه، فكما أنّ الأمر بفعل يكون المكلّف آتياً به بنفسه أو يعلم عدم إتيانه وعدم انبعاثه لغو لا يصدر من الحكيم، كذلك النهي فيما هو تارك بنفسه أو معلوم ارتكابه وإتيانه لغو لا يصدر منه، فالنهي إنّما يصحّ فيما إذا كان العبد آتياً بالفعل لو لا النهي حتّى يكون النهي زاجراً و رادعاً له عن الفعل. فبناء على هذا المبنى ـ أي كون الأمر والنهي بداعي الانبعاث والانزجار كبروياً ـ لما كان مفرّ عن قبول الصغرى و يتمّ به هذا القول.
لكنّ الكبرى مخدوش أوّلاً بالنقض: بتكليف العصاة والكفّار مع العلم بأنّهم
[١]. راجع: كفاية الاُصول: ١٨٢.