تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٢٥ - اجتماع ملاكات الأحكام
وظهر أيضاً: أنّ التضادّ حينئذٍ لا يختصّ بمقام فعليتهما، بل يعمّ مرتبة الاقتضاء أي المصلحة والمفسدة والحبّ والبغض أيضاً، فما في «الكفاية» من اختصاصه بمرتبة الفعلية وأنّه لا مضادّة بينها ما لم تبلغ إلى تلك المرتبة[١] لا يخلو عن مسامحة؛ فإنّ مراده عدم التضادّ في مرتبة الإنشاء فقط كما هو ظاهر عبارته، فتدبّر. وأمّا مرتبة التنجيز فلا موضوع لها بعد عدم الاجتماع في مرتبة الفعلية.
وأمّا إذا كان الفعل واحداً ذوجهتين فلا ينبغي الريب في إمكان اجتماع الملاكات والمصلحة والمفسدة. فربّ فعل يكون ذا مصلحة من جهة وذا مفسدة من جهة اُخرى كما قال الله تعالى: )قُلْ فيهِما إِثْمٌ كَبيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ...([٢] وما قرع سمعك من وقوع الكسر والانكسار بين المصالح والمفاسد المجتمعتين في فعل واحد، فليس هو بمعنى ذهاب المصلحة وانتفائها عند غلبة المفسدة أو انتفاء المفسدة وانعدامها عند غلبة المصلحة؛ فإنّ ذلك ممّا لا سبيل إليه قطعاً، بل وجودهما أمر تكويني لا يتغيّر عمّا هو عليه. وإنّما المراد منها هو ملاحظة الأهمّ في مقام الإرادة والكراهة كما يأتي.
وكذلك لا ينبغي الإشكال في إمكان اجتماع الحبّ والبغض في أمر واحد ذو جهتين فالفعل من جهة كونه ذا مصلحة محبوب ومن جهة وجود المفسدة فيه مبغوض كما يشاهد ذلك بالوجدان في شرب الدواء المرّ فهو مع كونه مبغوضاً من جهة كونه مرّاً محبوب من جهة ما فيه من المصلحة والخير واختيار الفعل حينئذٍ ليس بمعنى عدم المبغوضية لما عرفت من وجود المفسدة الموجبة
[١]. كفاية الاُصول: ١٩٣.
[٢]. البقرة (٢): ٢١٩.