محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٨ - الخطبة الأولى
هذه نار، هذه بوتقة تخلّص الإنسان من شوائبه، من نقاط ضعفه، فالافتتان بحكمة، الابتلاءات في الدنيا كانت من تقدير الله مصنعا لإنسانية هذا الإنسان، لكماله، فإنه من خلالها يخلّص كما يخلص الذهب من شوائبه، بشرط واحد: أن يأخذ بمنهج الله عز وجل، ويأتمر بأمره، وينتهي بنهيه.
فالفتن إذا انضم إليها الدور الصحيح، والموقف المطلوب- ديناً وعقلًا- من الإنسان، خلَّصت صاحبها من الشوائب والضعف والسذاجة. وما وجدت الفتن عبثاً ولا إضرارا، وإنما لتصنع الإنسان ومقاومته وقوته واستقامته، وإن كان على طريق المعاناة، وفي هذا كرامته وعلّو مقامه عند ربه الكريم إذا استقام.
٣. في كلّ نعمة وبليّة فتنة:
(وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَ أَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ٦.
عن سعد بن أبي وقاص" قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنا- مؤكدا- لفتنة السرّاء أخوف عليكم من فتنة الضرّاء. إنّكم ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم ٧، وإن الدُّنيا حلوة خَضِرَة" ٨.
حلوة، خضرة، جميلة، أخّاذة، تسحر ألباباً، وتسقط عقولا، وتلغي قيمة تجارب وخبرات، وتأسر كبارا، ولكثيرا ما أضلت من الكبار خلقا كثيراً.
أن يمسك أحدنا نفسه أمام الدنيا لهي الرجولة، ولهو العقل والحكمة، ولهو الموقف القادر الذي يدلّ على عقل وفي، وحكمة غزيرة، ونظر بعيد.
(وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) ٩.
رفع الدرجات فيه ابتلاء، فأن يكون هناك من أرفع منك فيه ابتلاء، وأن تؤتى من خير الدنيا ابتلاء آخر.