محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٣ - الخطبة الأولى
وهذه الرسالات المتلاقية أو الرسالة الواحدة المتكاملة تُراعي في تكاملها التشريعي الحركة الإنسانية الصاعدة التي خططت لها ابتداء، وكانت تدفع بها دائماً إلى الأمام، وترعاها وتضبط مسارها ما استجاب النّاس، وتحمل حساب التغيرات والمستجدات ومنعطفات الطريق وانتكاساته التي تحدث على يد الإنسان، وتدفع إليها أخطاؤه وانحرافاته.
فما وصَّى به الله العظيم نوحاً، وما أوحى به إلى محمد صلَّى الله عليه وآله، وما اوصَّى به إبراهيم وموسى وعيسى كلُّه بمشتركاته ومفترقاته دين واحد راعى ثابت الإنسان ومتغيره، وجعْلٌ متكامل للبشرية من خالقها العليم الخبير في مراحلها المختلفة.
وثابت هذا الدين الواحد ثابت لأول ما كان، وموقّته موقّتٌ لأول ما كان، وهذا حقٌّ وذاك حقٌ ١، وهذا شرعي في إطلاقه، وذاك شرعي في حدِّه. وما كان دائماً يبقى، وما كان مؤقتاً من أوله يكشف لاحقه عن توقيته وأمده.
ولا تهافت بين تشريعين اختلفت فيهما شريعتان إلاهيتان أو حتّى شريعة واحدة حيث أن إطار هذا الاختلاف ليس واحداً زماناً ومكاناً لا ابتداء ولا استمراراً، وتقدير لحوق أحدهما للآخر ليس وراءه جديد نظر، وإنّما هو منظور للمشرِّع العليم الحكيم من الأول.
والعقل لا يتوقع الاختلاف بمعنى التهافت في دين الله بعد أن كان المشرِّع واحداً عليماً خبيراً محيطاً لا يحول علمُه، ولا يضيق خبره، ولا يخطئ فعله، ولا تضل أو تتغير حكمته.
وبعد الوحدة النوعية للإنسان المشرَّع له، ووحدة ركائزه، وثبات دوافعه الروحية والمادية المشتركة، وضروراته وطموحاته المتأصلة.
وبعد أن كان المنظور الدائم والمعلوم أزلًا للتشريع كلًا من روح الإنسان وبدنه، وآخرته ودنياه، وثوابته ومتغيراته، وكلّ مقوِّم وعارض عليه.
وإذا نظرت إلى ركائز الدين وعناصر تكوينه وجدت أنها تقتضي بطبيعتها الثبات