محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٤٤ - الخطبة الأولى
المادي الأرضي، فمع التصوير القرآني لموقع الإنسان: (وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ....) ١ إذا كانت الآية الكريمة تعني في مضمونها جعل الإنسان خليفة في الأرض يعمل بمدد الله وبأمره وفي ضوء المنهج الذي هو من عنده سبحانه وتعالى إعمارا وإصلاحا وتطويراً لذاته، وللأرض، يكتشف، ويخترع، يصوغ ذاته على خط فطرتها، ويصوغ أوضاع الأرض على ضوء منهج الله سبحانه وتعالى، فعلى هذا تكون الآية قد رفعت من شأن الإنسان ما لم ترفع شأن غيره.
وهذا يعني الاستعدادات الهائلة عند هذا الإنسان بما يؤهله لهذا الدور الخلافي الكبير؛ هذا الدور المتصرف في الأشياء، المتحمل مسؤولية تطويرها ووضعها على خطها العابد لله سبحانه وتعالى عبادة ترجع إلى عبادة الإنسان لبارئه. والإنسان بتحميله أمانة الإبداع، والتطوير، والارتقاء بالأوضاع الأرضية، وبالأوضاع الإنسانية، وتفعيل قدراته، وإمكاناته بما يعطيه موقعا متقدماً جداً يكون قد حِمّل مسؤولية تجعله في مقدمة مخلوقات كثيرة، ومفضّلا على كثير ممن خلق الله عز وجل تفضيلا.
هذا الخليفة عبد لله، يعمل بمدد الله، ويأتمر بأمر الله، وينتهي بنهي الله، وهو بدوره الخلافي لم يتجاوز موقع العبودية، ولكنه بهذا الموقع متقدم جدا من بين مخلوقات الله سبحانه وتعالى. لم يُحمّل مخلوق من المخلوقات هذا الدور معتمداً في عنصر من عناصره على ارادته. إسناد هذا الدور للإنسان، وجعل إرادته عنصراً من عناصر فاعلية هذا الدور، ووصول هذا الدور إلى أهدافه يعني إعطاءا لهذا المخلوق تشبّهاً بالله عزّ وجل في صفة الفاعلية الإرادية، وهذا التشبّه لم يرتفع إلى مستواه المتوفر في طبيعة الإنسان حتى الملك.
(قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) ٢ أخذ إبليس على نفسه أن يلجم بني آدم، أن يقودهم إلى خطّ آخر غير الخط العابد لله سبحانه، إلى خط الانحراف منحدرا بهم عن صراط الاستقامة، حنقا وحسدا