محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٦ - الخطبة الأولى
" وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ- الآخرة هي الهدف، الآخرة هي الغاية، كل ما آتاك الله من عقل، من سمع، من بصر، من نعم أخرى وظّفها في سبيل آخرتك لأنها الهدف، لأنها الحيوان، لأنها الحياة الحقيقية- وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا" وكيف لا ننسى نصيبنا من الدنيا؟
إما أن الآية الكريمة لا تريد لنا أن نهمل الدنيا إهمالا تاما فنموت، وتتجمد حركة الحياة على أيدينا من حيث كوننا مؤمنين، فتقول لنا الإيمان لا ينافي أن نشيع الحياة في الأرض، أن نعمر، أن نشيد، أن نبني، أن نسابق الأمم الأخرى نشاطا وحيوية وقوة وصناعة واختراعا وابتكارا، لكن ليكون كل ذلك نعمة علينا أن نبتغي فيه الدار الآخرة.
نتحرك في هذه الحياة الدنيا لا بهدفها، وإنما بهدف الآخرة، أنت تدرس لتنتج، لتعمل عملا متقنا، أنت تحيى في الحياة الدنيا لتنتهي إلى آخرة رابحة، الحياة ربحها قليل، وزائف، وعند التأمّل ساعات الراحة والسرور في الحياة لا نجدها إلا قليلة.
وإما أن الآية الكريمة" وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ..." تقول لنا إنَّ نصيبك من الدنيا ما أوصلك إلى الآخرة، أما الحركة في الحياة فطبعنا يدفعنا إليها إلى أن نطلب الرزق، إلى أن نطلب الدواء، إلى أن نطلب المركب الحسن. فينا من الدوافع ما يكفي لأن يحركنا الحركة المنتجة في الحياة، لكن دوافع الآخرة على وجودها محاربة ومواجهة من إعلام مضلل، من أوضاع زائفة، من صناعة حضارية على يد الطغاة والظالمين تحرف النظر عن الآخرة، وتنسينا الله سبحانه وتعالى
لذلك كان ما يتوجب أن نُذكّر به هو الآخرة لا الدنيا، دوافع الدنيا قوية، وفعّالة، ومتلمّظة، ومجنونة لا تحتاج إلى تنبيه، إلا في بعض الحالات التي قد تسود فيها موجات من التصوف المنحرف، فهنا تأتي الآيات الكريمة، وتأتي الأحاديث والمواقف الحاسمة من أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لتعيد الدفة إلى المسار الصحيح، فلا تصوف