محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢١ - الخطبة الأولى
يارسول الله ما أعقل هذا النصراني! فزجر القائل، وقال: مه، إن العاقل من وحَّد الله، وعمل بطاعته" ١.
البيان لا يعني مجرّد حسن الأداء، قد يكون البيان وراءه حكمة، وراءه فهم، معه علم، وكان هذا أو ما يشبهه لذلك الرجل النصراني. ووراء الوقار والهيبة عقل، وتفكير، وكان من ذلك شيء في ذلك النصراني.
ربما كان الرجل على قدر ملحوظ من العلم والبصيرة بالأمور، والإسلام لا يعادي الحق، ولا ينتقص منه أين كان، لكن نجد هنا أن شخصا من المسلمين يطرح إعجابه بذلك النصراني، ويُثني عليه بقوله:" ما أعقل هذا النصراني" في تعجّب، وفي استعظام، لكن الرسول صلى الله عليه وآله يزجر القائل" فزجر القائل، وقال مه، إن العاقل من وحّدَ الله وعمل بطاعته".
من أجل أن يشرك أحد لابد من أن يأخذ المطلق محدوداً، أو المحدود مطلقاً، وأن ينزل بالخالق إلى مرتبة المخلوق، أو يرتفع بالمخلوق إلى منزلة الخالق وإلا لم يكن الإثنان شريكين. وكل ذلك زورٌ وجنون، وفقدان للحكمة والبصيرة، ودخول في الوهم والخيال، وهو جنون قد تعلق بأعظم أمر، وأهم شأن؛ ذلك لأن التوحيد قضية إذا تعلق بها الخطأ سرى إلى كل المساحات والمستويات، وأصاب الحياة كلها بالتشويه، وأفقد المسيرة البشرية بكاملها صوابيتها، وتحوّلت كل النعم بيد الإنسان إلى نقم؛ ذلك لأن الحساب أكثر ما ينبغي أن يتجه إليه هو الغاية، وكل الخير ليس بخير إذا كانت عاقبته النار، وكل الشر ليس بشر إذا كانت عاقبته الجنة.