محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٩ - الخطبة الأولى
الحضارتان والقوة:-
أي الحضارتين للقوة؟ وأيهما للضعف، وأي قوة وأي ضعف؟
ويُتناول هذا على أكثر من صعيد: الإنسان في داخله، الإنسان في أوضاعه المادية المصنوعة على يده، الإنسان في علاقاته بأخيه الإنسان.
وقبل ذلك نحاول أن نقف على نظرة الإسلام للإنسان في جانب قوّته وضعفه، والنظرة الأخرى له في هذا الجانب نفسه.
الإنسان في قوته وضعفه: السؤال هنا: الإنسان في حد ذاته خَلقَةً قوي أو ضعيف؟
للإنسان طاقات و مواهب وهدايات وإرادة وانجازات ضخمة في نفسه وعلى الأرض، وليس أدلّ على كفاءاته في نظر الإسلام من موقع الخلافة، ومسؤولية التكليف التي أُنيطت به، وهو المخلوق في أحسن تقويم يؤهله لأن يسبق بمستواه الكثير الكثير من الخلائق (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) وهو ليس تقويم بدن بقدر ما هو تقويم ذات معنوية إنسانية.
ولكن برغم طاقاته ومواهبه وهداياته وإنجازاته فيه ضعف يحتاج معه إلى تربية صالحة، وحضارة كريمة، ومنهج قويم، يعالج فيه هذا الضعف، ويثير فيه عوامل القوة، وكوامن النهوض، وأسرار العظمة.
ولك هذه الآيات الكريمة عن ضعف الإنسان بعد التأكيد على قوّته: (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ١٦/ ق.
والنفس إنما توسوس لتصرف عن الخير والنهوض بالمسؤولية، وما يدفع بمستوى الإنسان إلى الأمام على طريق الهدى والنور والصلاح والفلاح، ولتُوقع في الشر والسوء والخسران. وليس أقرب للمرء بعد الله من نفسه فإذا كانت النفس أمّارة بالسوء، موسوسة لصاحبها فهذا منبع ضعف للإنسان يقعد به إلى الأرض، يمنعه من النهوض، يأخذ بنظره