محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٧ - الخطبة الأولى
أ- الإنسان مسؤوليةً في حضارة الإنسان: ماذا تقول حضارة الإنسان عن الإنسان مسؤولية؟ وحضارة الإنسان هي حضارةٌ خطط لها الإسلام وأقامها القرآن وأتمهّا الرسول صلى الله عليه وآله، وأتمها في آخر حلقة من حلقاتها التي توالت على يد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
تقول هذه الحضارة عن إنسان من حيث المسؤولية في أصدق كتابٍ على الأرض، وكلمات من كلمات السماء، (أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) ١.
داركم دار امتحان، تتجلى فيها الذوات طيبة أو خبيثة من خلال تجربةٍ حيةٍ تعيشونها على الأرض، تقيمون من خلالها الحقَّ أو تهدمونه، تشيدون الباطل أو تناهضونه ... الحق في أنفسكم وفي الخارج، الباطل في أنفسكم أو الخارج. والامتحان مستبطنٌ لأعلى درجات المسؤولية، فغير المسؤول لا يمتحن، والذي يصهره الامتحان ويجلي معدنه إنما هو إنسان.
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) ٢. لن يتفلت أحد، ولا يملك أحدٌ أن يفلت من قبضة الله، من حساب الله، من جزاء الله على سيئاته على الإطلاق. ولا مسؤولية من غير حساب، ولا قيمة لحسابٍ لا يعني جزاءا، فإن لم يستتبع جزاءاً فهو في حده لابد أن يمثل لوناً من الجزاء. نعم لا مسؤولية من غير جزاء، وقد يكون الحساب العسير جزاءا، وقد يستتبع الحساب جزاءا، مستقلا، وحساب الآخرة مستتبعٌ جزاءا، وما أعظمه من جزاء.
(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ..)، ليس يا أيها المؤمن! بما أنك إنسان، بمخزونك الإنساني، بما أودعت من عقل، بما ألهمت من فطرة، بما حملت من ضمير، بما لك من إرادة، بما أعطيت من رؤية، بما جئت عليه الحياة من تكليف (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) الانشقاق. أنت وطاقاتك وطبيعتك (كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ