محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣٦ - الخطبة الأولى
إلا الخير، وتتأبّى أبداً أن يصدر عنها شر.
هل أنا بدن؟ هل أنا روح؟ لي وجدان يميّز أني لست بدنا خالصاً، ولست روحا خالصة في هذا الوجود، ولكني في معناي الذي يمكن أن يكون محترما، في معناي الذي يمكن أن يكون أكبر من الجبال الشوامخ، ويمكن أن يكون مستحقا لأن تسخّر له السماوات والأرض، لست هذا اللحم والدم والعصب، إنما أنا روح إذا كانت تلك الروح موصولة بالله.
هذا الإنسان الكريم هو الروح إذا كانت تلك الروح موصولة بالله، هو القلب إذا كان ذلك القلب عارفا بالله، هو القلب إذا كان ذلك القلب ذاكرا لله.
وليس خفيا أن نعرف من أنفسنا الإثنينية الواضحة بالوجدان، فمن ضعف في بدنه بعد قوته، بينما زاد في عقله، وطُهرِ روحه، ونقاء سريرته، ومعرفته بالهدى وتمسّكه به، وبغضه للباطل، وانشداده للفضيلة، ونفوره من الرذيلة، وتم استيقانه بربّه، وكل الحق من عنده تراه يعرف من نفسه ذلك الضعف، وهذه القوة، وأن مركز ضعفه مباين لمركز قوته، وأنه لا يهون في نفسه بذلك الضعف، ما دام يجد من نفسه الإنسان القوي في إنسانيته.
وكذلك من عرضته القوة في البدن بعد الضعف، والوهن في الجانب الروحي بعد القوة لا يخفى عليه ما جدّ له في هذا وذاك، وأن ما قوي منه غير ما ضعف، وما ضعف غير ما قوي.
والتركيز على إنسانية الإنسان في حضارة القرآن من دون إهمال لشؤون البدن للتأثير المتبادل، ولمصلحة الإنسان وراحته في الدنيا إلى جانب الآخرة لا تجده في حضارة المادة التي لا تركيز لها إلا على حاجات البدن، وحجم المادة في الخارج وما يرتبط بأمر الدنيا (وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَ يَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَ النَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ..). ٢
(وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ...).