محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨١ - الخطبة الأولى
في الغرور به، وهناك دروس أخرى وآيات أخرى تأتي لهداية الضال العاصي نفسه وردّه للطريق، ولو استمرت له عطاءات الخير، وتدفّقت عليه نعم الله دائما بلا بلاء لكان من أهل النار، ولكن لأن الله سبحانه وتعالى يريد بهذا الإنسان رحمة يُنزل عليه من البلاء ما يُنقذه ويجعل نفسه من بعد ضلالها مهتدية.
ووجه آخر لثلمة في بعض النعم، لشيء من البلاء الإلهي يأتي على إنسان أو أمة، وهو أن تقام على هؤلاء العصاة الحُجّة، فقد يقول بعض العاصين ربنا إنك أعطيتنا فطرة، وجعلت لنا من هدايات الرسل، وهدايات الكون ما يكفي ولكن النفس أمارة بالسوء والإغراء والاستغراق في النعم قد ينسي، فيأتي الدرس القاسي ليوقظ، فحتى لو لم ينفع مع هذه النفس إلا أنه يكون حجة مضافة جديدة عليها.
فهذه الآيات ترجع بالنفس إلى الواقع، وإلى الحقيقة، وتخلّصها من الوهم، ومن الغرور، ومن الذهول الذي قد يعتريها بسبب توالي النعم، وعدم البلاء.
فالرفاه والنعمة والصحة والقوة قد تجرّ الإنسان إلى درجة من الغرور والنسيان لربّه الكريم.
(أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَ لا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) ٥
هؤلاء قد أُقيمت عليهم الحجة من خلال البلاء المتكرّر الذي لم يوقظ فيهم ضميرا، ولم يحيي قلبا، ولم يبعث فيهم شعورا حيوياً بحق الله سبحانه وتعالى.
فهناك موت للمشاعر، وفقد للاحساس، وتعطّل في جهاز الاستقبال قد يصيب الإنسان إلى حدّ أن لا تفيد معه النعم ولا النقم، وأعوذ بالله من هذه الحالة التي تفقد النفس فيها قابلية العودة إلى الله والأوب إلى رحمته تبارك وتعالى.
نتائج:-