موسوعة الإمام الخميني 24 و 25 (العروة الوثقى) - يزدى، محمد كاظم بن عبد العظيم - الصفحة ٢٣٢ - مقدّمة في آداب السفر ومستحبّاته لحجّ أو غيره
بالمحافظة على تصحيح النيّة، وإخلاص السريرة، وأداء حقيقة القربة، والتجنّب عن الرياء، والتجرّد عن حبّ المدح و الثناء، وأن لا يجعل سفره هذا على ما عليه كثير من مترفي عصرنا من جعله وسيلة للرفعة والافتخار، بل وصلة إلى التجارة والانتشار ومشاهدة البلدان وتصفّح الأمصار، وأن يراعي أسراره الخفيّة ودقائقه الجليّة، كما يفصح عن ذلك ما أشار إليه بعض الأعلام: إنّ اللَّه تعالى سنّ الحجّ ووضعه على عباده إظهاراً لجلاله وكبريائه، وعلوّ شأنه وعظم سلطانه، وإعلاناً لرقّ الناس وعبوديتهم وذلّهم واستكانتهم، و قد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم، والملّاك لمماليكهم، يستذلّونهم بالوقوف على باب بعد باب و اللبث في حجاب بعد حجاب، و إنّ اللَّه تعالى قد شرّف البيت الحرام وأضافه إلى نفسه، واصطفاه لقدسه، وجعله قياماً للعباد، ومقصداً يؤمّ من جميع البلاد، وجعل ما حوله حرماً، وجعل الحرم آمناً، وجعل فيه ميداناً ومجالًا وجعل له في الحلّ شبيهاً ومثالًا، فوضعه على مثال حضرة الملوك و السلاطين، ثمّ أذّن في الناس بالحجّ ليأتوه رجالًا وركباناً من كلّ فجّ، وأمرهم بالإحرام وتغيير الهيئة و اللباس شعثاً غبراً متواضعين مستكينين، رافعين أصواتهم بالتلبية، وإجابة الدعوة، حتّى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول، وأوقفهم في حجبه يدعونه ويتضرّعون إليه، حتّى إذا طال تضرّعهم واستكانتهم ورجموا شياطينهم بجمارهم، وخلعوا طاعة الشيطان من رقابهم أذن لهم بتقريب قربانهم وقضاء تفثهم، ليطهروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم وبينه، وليزوروا البيت على طهارة منهم، ثمّ يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال الرقّ وكنه العبودية، فجعلهم تارة يطوفون فيه، ويتعلّقون بأستاره، ويلوذون بأركانه، واخرى يسعون بين يديه مشياً وعدواً، ليتبيّن لهم عزّ الربوبية، وذلّ العبودية، وليعرفوا أنفسهم،