بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
المظنونة منها، بل و المشكوكة و المحتملة أيضاً عند ما تفرض بعض مراتب المنعمية بدرجة غير محدودة، فحينئذٍ العقل يدرك أنّ حق الطاعة لمثل هذا المنعم لا حدّ له، بحيث له حق الطاعة في كل ما نحتمله من تكاليف.
و هذا يعني أنّ العبد يجب عليه الحرص على تكاليف المولى، بحيث لا يضيع منها شيئاً، و ذلك لسعة دائرة المولوية باعتبار شدّة ملاكها.
و بهذا البيان ظهر أنّه ليس عندنا شيئان: أحدهما المولوية، و الآخر الحجية كما ذكروه، و إنّما عندنا مولوية فقط، و أنّه لها مراتب، لأنّه كلما كان ملاكها أشدّ كانت أوسع دائرة، و إنّ معنى حجية القطع هو أنّ مولوية المولى سنخ مولوية تستدعي منّا عقلًا التحفظ على كل ما نعلمه من تكاليفه، و معنى عدم حجية غيره هو أنّ مولوية المولى سنخ مولوية لا تستدعي منّا عقلًا أكثر من التحفظ على ما نعلمه من تكاليفه.
و هذا في الحقيقة تضييق لدائرة المولوية، و قد عبّر عن الأول بحجية القطع، و عن الثاني بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
و بما ذكرناه، يظهر أنّ مرجع البحث في القاعدة إلى أنّ مولوية المولى يشمل التكاليف المشكوكة أم لا؟
و لا إشكال في أنّ المولويات العقلائية المعترف بها عقلائياً عادة، لا تكون دائرتها أوسع من حدود التكاليف المقطوعة، و من هنا ارتكزت قاعدة البراءة العقلية و إن لم تسمّ بهذا الاسم، و لكن مولوية الله سبحانه و تعالى هل يصح قياسها على هذه المولويات؟