بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٠ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
القاعدة الأولى: تبيّن متى تقوم الحجة من قبل المولى على التكليف.
القاعدة الثانية: تبيّن متى لا تقوم الحجة منه على التكليف.
أمّا الأولى: فإنّه تقوم الحجية إذا حصل القطع للمكلف، و هذه الحجية ذاتية، و لا بدّ من انتهاء كل حجة إلى القطع، باعتبار أنّ كل ما بالعرض لا بدّ و أن ينتهي إلى ما بالذات، و لذلك فإنّ حجية القطع لا تحتاج إلى جعل جاعل، بل هي لازم ذاتي له بما هو قطع، و حيث لا ذات، إذاً، لا ذاتي، و هذه هي القاعدة الأخرى و التي تعني قبح العقاب بلا بيان.
و هكذا رجع أمر القاعدتين إلى قضية واحدة، منطوقها يقتضي القاعدة الأولى، و مفهومها يقتضي القاعدة الثانية.
و من هذا البيان يظهر أنّ الظن لا تعقل حجيته بنفسه، لأنّه لمّا لم يكن قطعاً، إذاً فقد دخل في المفهوم و قبح العقاب عليه، لأنّه ليس بياناً، و من هنا احتاجت حجيّته إلى جعل.
و لكن حينئذٍ تبرز مشكلة و إشكال، و هو أنّ جعل الجاعل كيف يجعل الظن حجة و منجزاً، رغم أنّه لا بيان فيه، أ وَ ليس ذلك تخصيصاً لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، مع أنّ أحكام العقل غير قابلة للتخصيص؟
و من هنا نشأت مسالك الطريقية و ما ترتب عليها من فروع في الأصول، حيث جاءت مدرسة الميرزا (قده) لتبيّن جعل الحجية للظن بنحو التخصيص في قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لا بنحو التخصيص، فإنّ الشارع عند ما يجعل الحجية للظن، إنّما يعتبره علماً، و بذلك