تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٧٦ - سبح سبح
كلِّ ما لا يَنْبَغِي له أَن يُوصَفَ به. و قال الزَّجّاج: سُبْحَان في اللُّغَةِ تنزيهُ اللََّه عزّ و جلّ عن السُّوءِ، مَعْرِفةٌ. قال شيخنا:
يريد أَنه عَلَمُ جِنْسٍ على التَّسبيح ، كبَرَّةَ: عَلَمٌ على البِرِّ، و نَحْوِه من أَعْلاَم الأَجْنَاس المَوْضوعةِ للمَعانِي. و ما ذَكَره من أَنه عَلَمٌ هو الّذي اختارَه الجماهيرُ، و أَقرَّه البَيْضَاوِيّ و الزّمخشريّ و الدُّمامينيّ و غيرُ واحد.
و قال الزّجّاج في قوله تعالى: سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرىََ [١]
نُصِب [٢] على المصْدَر، أَي على المَفْعوليَّة المُطْلَقة، و نَصْبُه بفِعْلٍ مُضْمَر متروكٍ إِظهارُه، تقديرُه: أُسَبِّحُ اللََّه سُبْحَانَه تَسْبِيحاً . قال سيبويهِ: زعم أَبو الخَطّابِ أَنّ سُبْحان اللََّه كقَوْلِك: بَرَاءَةَ اللََّه، أَي أُبَرِّئُ اللََّه تعالى من السُّوءِ بَرَاءَةً. و قيل: قولُه: سُبحانَك ، أَي أُنَزِّهُك يا ربّ من كلّ سُوءٍ و أُبرِّئُك. انتهَى. قال شيخنا: ثم نُزِّلَ سُبْحَانَ مَنْزلةَ الفِعْلِ، و سَدَّ مَسدَّه، و دَلَّ على التَّنزيه البليغ من جميع القبائِحِ الّتي يُضِيفُها إِليه المُشْرِكُون، تعالى اللََّه عمّا يقوله الظَّالمون عُلوًّا كبيراً. انتهَى. ١- و روَى الأَزهريّ بإِسناده أَن ابنَ الكَوّاءِ سأَل عَليًّا رضي اللََّه عنه عن سبحانَ ، فقال: كلمةٌ رَضِيَها اللََّه تعالى لنفسِه، فأَوْصَى بها [٣] . أَو معناه على ما قال ابن شُمَيل: رأَيتُ في المَنَام كأَنّ إِنساناً فَسَّر لي سُبحانَ اللََّه، فقال: أَمَا تَرَى الفَرَسَ يَسْبَح في سُرعته؟و قال: سُبْحَان اللََّه: السُّرْعةُ إِليه و الخِفَّةُ في طاعته [٤] . و قال الرّاغِب في المفردات: أَصلُه في المَرِّ السَّرِيع، فاستُعير للسُّرْعَة في العَمَل، ثم جُعِل للعِبَادات قولاً و فِعْلاً [٥] . و قال شيخُنَا نَقلاً عن بعضهم: سُبحَانَ اللََّهِ: إِمّا إِخْبارٌ قُصِدَ به إِظهارُ العُبُوديّة و اعتقادُ التقدُّسِ و التّقديسِ، أَو إِنشاءُ نِسبةِ القُدْسِ إِليه تعالى. فالفعل للنِّسبة، أَو لسَلْبِ النَّقائِص، أَو أُقيم المَصْدَرُ مُقامَ الفِعْلِ للدّلالة على أَنّه المطلوب، أَو للتَّحاشِي عن التَّجدُّد و إِظهار الدَّوَام. و لذا قيل: إِنّه للتَّنزيهِ البليغِ مع قَطْعِ النَّظَر عن التّأْكيد. و في العجائب للكَرْمانيّ: من الغريب ما ذَكَره المُفضَّل: أَنّ سُبحَانَ : مَصْدرُ سَبَحَ ، إِذا رفعَ صَوْتَه بالدُّعاءِ و الذِّكْر و أَنشد:
قَبَحَ الإِلََهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّمَا # سَبَحَ الحَجيجُ و كَبَّرُوا إِهْلاَلاَ
قال شيخُنا: قلت: قد أَوْرَده الجَلالُ في الإِتقان عَقبَ قوله: و هو، أَي سُبْحانَ ، ممّا أُميت فِعْلُه. و ذكَر كلاَمَ الكرْمانيّ متعجِّباً من إِثبات المفضّلِ لبناءِ الفِعْلِ منه. و هو مشهورٌ أَوْرَده أَربابُ الأَفعال و غيرُهم، و قالوا: هو من سَبَحَ ، مُخفَّفاً، كشَكَرَ شُكْرَاناً. و جَوَّز جَماعَةٌ أَن يكون فِعْلُه سَبَّحَ مشدَّداً، إِلاّ أَنّهُم صَرَّحوا بأَنّه بَعيدٌ عن القياسِ، لأَنه لا نَظِيرَ له، بخلافِ الأَوّلِ فإِنّه كثير و إِن كان غيرَ مَقِيس.
و أَشارُوا إِلى اشتقاقه من السَّبْح : العَوْمِ أَو السُّرْعة أَو البُعْد أَو غيرُ ذََلك.
و من المجاز: العَرَب تقول: سُبْحَانَ مِنْ كذا، تَعجُّبٌ منه. و في الصّحَاح بخطّ الجوهَريّ: إِذا تُعُجِّب منه. و في نُسخَة: إِذا تَعجَّبْت منه [٦] . قال الأَعشى:
أَقولُ لمّا جاءَني فَخْرُه # سُبْحَانَ منْ عَلْقَمَة الفاخر [٧]
يقول: العَجَب منه إِذ يَفْخَر. و إِنّمَا لم يُنوّن لأَنه معرفةٌ عندهم، و فيه شبْهُ التّأْنيث. و قال ابن بَرِّيّ: إِنّمَا امتنع صَرْفُه للتّعريف و زيادة الأَلف و النُّون، و تَعْرِيفُه كونُه اسماً عَلَماً للبَرَاءَة، كما أَنّ نَزالِ اسمٌ عَلَمٌ للنُّزُولِ، و شَتَّانَ اسمٌ عَلَمٌ للتَّفرُّق. قال: و قد جاءَ في الشِّعر سُبْحان مُنوّنةً نَكِرَةً، قال أُميَّة:
سُبْحَانَه ثم سُبحاناً يَعودُ له # و قَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ و الجُمُدُ
و قال ابن جِنّي: سُبْحَان : اسمٌ عَلَمٌ لمعنَى البراءَةِ و التَّنْزِيهِ، بمنزلةِ عُثْمَانَ و حُمْرَانَ، اجتمع في سُبحَانَ التَّعْرِيفُ و الأَلفُ و النونُ، و كلاهما عِلَّةٌ تَمْنَعُ من الصَّرْفِ.
قلْتُ: و مِثْلُه في شَرْح شَواهدِ الكِتَاب للأَعْلَم. و مال جَماعَةٌ
[١] سورة الإِسراء الآية الأولى.
[٢] في إِحدى نسخ القاموس: «و نصبه» و في التهذيب: منصوب.
[٣] قول الأَزهري ورد في اللسان و لم يرد في التهذيب.
[٤] اقتصر في التهذيب على: و السرعة إِليه.
[٥] في المفردات: قولاً كان أو فعلاً أو نيّة.
[٦] هي في الصحاح المطبوع.
[٧] و قيل إِن قول الأعشى في معنى البراءة و قيل تسبيحه: تبعيده و قال في اللسان: و بهذا استدل على أن سبحان معرفة إِذ لو كان نكرة لانصرف.
قال في المصباح: و تقول العرب: سبحان من كذا أَي ما أبعده. و ذكر عجز البيت.