تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٠٦ - مسح مسح
العليّة [١] ، و ليس بمَشارِقِ القاضي عياضٍ، كما تَوهَّمَه بعضٌ. و سبق للمَصنّف كلامٌ مثل هََذا في ساح، و ذَكرَ هناك أَنَّه أَوردَهَا في شرْحه لصحيح البخاريّ، فلعلَّه المراد من قوله و غَيْرِهِ كما لا يَخفَى.
قلت: و قد أَوصلَه المصنّف في بصائر ذوي التمييز في لطائف كتاب اللََّه العزيز، مجلدان، إِلى ستّة و خمسين قولاً، منها ما هو مذكور هنا في أثناءِ المادّة، و قد أشرْنا إِليه، و منها ما لم يَذكره. و تأْليف هََذا الكِتاب بعد تأْليف القاموس، لأَني رأَيتُه قد أَحالَ في بعض مواضِعه عليه. قال و كَلمته عيسَى، و في صِفةِ عدوّ اللََّه الدّجّال أَخزاه اللََّه، على أَقْوالٍ كثيرة تنِيف على خمسين قولاً. و قَال ابن دِحْيَةَ الحافظُ في كتابه مَجمع البَحْرَيْن في فوائد المَشرقَيْنِ و المَغرِبَين: فيها ثلاثَةٌ و عشرون قَولاً، و لم أَرَ مَنْ جَمعها قَبْلي مَّمن رَحَلَ و جالَ، و لقِيَ الرِّجَال. انتهى نص ابن دِحيَةَ.
قال: الفَيْروز آباذى: فأَضَفْت إِلى ما ذكَره الحافظ من الوجوه الحَسَنة و الأَقوالِ البديعة، فتمّتْ بها خمسون وَجْهاً.
و بيانه أَنَّ العلماءَ اختلفوا في اللفظة، هل هي عربيّة أَم لا، فقال بعضهم: سريانيّة، و أَصلُهَا مَشيحاً، بالشين المعجمة، فعرّبتها العرب، و كذا ينطِق بها اليهود، قاله أَبو عُبيد، و هََذا القول الأَوّل. و الذين قالوا إِنّها عربيّة اختلفوا في مادّتها، فقيل: من س ى ح، و قيل: من م س ح، ثم اختلفوا، فقال الأَوّلون مَفْعِل، من ساح يسيح، لأَنّه يَسِيح في بُلدَانِ الدُّنْيا و أَقْطَارِهَا جميعِها، أَصُلها مَسْيِح فأُسْكِنَت الياءُ و نُقِلتْ حَركَتها إِلى السين، لاستثقالهم الكسرةَ على الياءِ و هََذا القولُ الثاني، و قال الآخرون: مَسيحٌ مُشتقٌّ من مَسَحَ ، إِذا سارَ في الأَرض و قَطَعها، فَعيل بمعنَى فاعِل. و الفريق بين هََذا و ما قبله أَنَّ هََذا يَختصّ بقَطْع الأَرضِ و ذاك بقَطْع جميع البلادِ، و هََذا الثالث، ثم سَردَ الأَقوالَ كلَّهَا، و نحن قد أَشرْنا إِليها هنا على طريق الاستيفاءِ ممزوجَةً مع قول المصنّف في الشّرْح، و ما لم نَجِدْ لها مناسَبَة ذكرناهَا في المستدركات لأَجل تَتميم المقصود و تَعميم الفائدة.
و المَسِيح : الدَّجَّالُ لشُؤْمِهِ، و لا يجوز إِطلاقُه عليه إِلاّ مقيَّداً فيقال المَسيحُ الدَّجّال، و عند الإِطلاق إِنما ينصرف لعيَسى عليه السلامُ، كما حَقَّقه بعضُ العلماءِ. أَو هُوَ، أَي الدّجّال، مِسِّيحٌ كَسكِّين، رواه بعض المحَدِّثين. قال ابن الأَثير: قال أَبو الهَيثم: إِنّه الذي مُسِحَ خَلْقُه، أَي شُوِّهَ.
قال: و ليس بشيْءٍ.
و المَسِيح و المَسِيحة : القِطْعَةُ من الفِضَّةِ، عن الأَصمعيّ، قيل: و بهُ سُمِّيَ عيسَى عليه السلامُ لحُسْنِ وَجْهه. ذكرَه ابن السِّيد في الفرق. و قال سَلَمة بن الخُرشُب [٢] يصف فرساً:
تَعَادَى من قَوائمها ثَلاثٌ # بتَحْجِيلٍ وَ وَاحدةٌ بَهيمُ
كأَنّ مَسِيحَتي وَرِقٍ عليها # نَمَتْ قُرْطَيهما أُذُنٌ خدِيمُ [٣]
قال ابن السِّكّيت: يقول كأَنَّمَا أُلبِسَتْ صفيحَةَ فِضَّةٍ من حُسْن لوْنِهَا و بَرِيقها، و قوله نَمَتْ قُرْطَيهما، أَي نَمَتِ القُرطَين اللَّذَيْنِ من المَسِيحتَين ، أَي رَفَعَتْهما، و أَراد أَنَّ الفِضَّة مما تُتَّخذ للحَلْيِ، و ذََلك أَصفَى لها.
و المَسيح : العَرَقُ: قال لبيد:
فَرَاشُ المَسِيحِ كالجُمَانِ المُثقَّبِ
و قال الأَزهريّ: سُمِّيَ العَرقُ مَسِيحاً لأَنّه يُمْسَح إِذا صُبَّ. قال الرّاجز:
يا رِيَّهَا و قد بَدَا مَسِيحي # و ابتَلَّ ثَوْبَايَ من النَّضِيحِ
و خَصَّه المصنّف في البصائر بعَرقِ الخَيْل، و أَنشد:
و ذا الجِيَادُ فِضْنَ بالمَسيحِ [٤]
قال: و به سُمِّيَ المسيحُ .
و المَسِيح : الصِّدّيقُ بالعبرانيّة، و به سُمِّيَ عيسَى عليه
[١] و لكنه لم يكمل، و كذا شرحه على البخاري لم يكمل أيضاً أفاده بهامش القاموس.
[٢] بالأصل «الحرث» و بهامش المطبوعة المصرية: «قوله الحرث الذي في اللسان «الخرشب» .
[٣] في التهذيب: خذيم بالذال. و أذن خذيم أَي مثقوبة.
[٤] ديوانه و صدره فيه:
علا المسكَ و الديباجَ فوق نحورهم.