تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٥٩ - بعد بعد
باعِدٍ ، أَي غَيْرَ صاغرٍ قاله الكسائيّ. و يقال: انطلقْ يا فلانُ غيرَ باعدٍ ، أَي ذَهَبْتَ.
و يقال: إِنّه لغيرُ أَبْعَدَ ، و هََذه عن ابن الأَعرابيّ، و غير بُعَدٍ ، كصُرَد، إِذا دمَّه، أَي لا خَيْرَ فيه. و عن ابن الأَعرابيّ:
أَي لا غَوْرَ له في شيْءٍ.
و إِنّه لذُو بُعْدٍ . بضمّ فسكون، و بُعْدَةٍ ، بزيادة الهاءِ، و هََذه عن ابن الأَعرابيّ، أَي لذو رأْيٍ و حَزْم. يقال ذََلك للرّجُل إِذا كان نافذَ الرَّأْيِ ذا غَوْرٍ و ذا بُعْدِ رَأْيٍ. و يقال:
ما عندَه أَبعَدُ ، أَو بُعَدٌ ، كصُرَد، أَي طائلٌ، و مثله في مجمع الأَمثال. و قال رجلٌ لابنه: إِن غَدَوْتَ على المِرْبَد رَبِحْتَ عَنَاءً أَو رَجَعْت [١] بغير بُعْدٍ [٢] ، أَي بغَير منفعة. و قال أَبو زيد: يقال: ما عندك بُعْدٌ [٣] ، و إِنك لغيرُ بُعَد ، أَي ما عندك طائلٌ. إِنّمَا تقول هََذا إِذا ذَمَمْتَه. قال شيخنا: يمكن أَن يُحمل «ما» هنا على معنَى «الّذي» ، أَي ما عنده من المطالب أَبعدُ مما عند غيره، و يجوز أَن تُحمَل على النَّفْيِ، أَي ليس عنده شيءٌ يُبْعِدُ في طَلبِه، أَي شيْءٌ له قيمةٌ أَو مَحلّ.
وَ بَعْدُ ضدُّ قَبْل، يعني أَنّ كلاً منها ظَرفُ زَمان، كما عُرِفَ في العربيّة، و يكونان للمكان، كما جوَّزَه بعض النُّحاة [٤] ، يُبنَى مُفْرَداً، أَي عن الإِضافة، لكن بشرطِ نِيّة مَعنَى المضافِ إِليه دون لفظه، كما قرّر في العربيّة، و يُعْرَب مُضافاً، أَي لأَنَّ الإِضافة تُوجِب توغُّلَه في الاسميّة و تُبعِده عن شَبَه الحروف، فلا مُوجبَ معها لبنائه. و حُكِيَ:
مِنْ بَعْدٍ ، أَي بالجر و تنوين آخره، و قد قرِئ به قوله تعالى:
لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ [٥] بالجر و التنوين، كأَنَّهم جَرَّدوه عن الإِضافَة و نِيّتها.
و حكى أَيضاً افعَلْ كذا بَعْداً ، بالتنوين منصوباً.
و في المصباح: و بَعْد ظَرفٌ مُبْهَمٌ، لا يُفهَم معناه إِلا بالإِضافَة لغيره، و هو زَمانٌ متراخٍ عن الزَّمَان السابقِ، فإِنْ قَرُبَ منه قيلَ، بُعَيْدَه بالتصغير، كما يقال قَبْل العصْر، فإِذا قَرُب قيل قُبَيْل العَصْر، بالتصغير، أَي قريباً منه [٦] . و جاءَ زَيدٌ بعْدَ عمرو، أَي مُتراخِياً زَمانُه عن زَمانِ مجيءِ عَمْرو.
و تأْتي بمعنَى مَعَ، كقوله تعالى: فَمَنِ اِعْتَدىََ بَعْدَ ذََلِكَ* [٧]
أَي مع ذََلك. انتهى.
و قال اللَّيثُ: بَعْد ، كلمةٌ دالّة على الشيْءِ الأَخيرِ، تقول:
هََذا بعدَ هََذا، منصوب. و حَكى سيبويه أَنّهُم يقولون من بَعدٍ ، فيُنكِّرونه، و افْعَلْ هذا بعْداً .
و قال الجوهريّ: بَعدُ نَقيضُ قَبلُ، و هما اسمان يكونان ظَرفَين إِذا أُضِيفَا، و أَصْلهما الإِضافة، فمتَى حذفت المضاف إِليه لِعلْم المخاطَب بَنَيتَهما على الضّمّ ليُعلمَ أَنّه مَبنيّ، إِذا كان الضّمّ لا يَدخل ما إِعراباً، لأَنّهما لا يَصلُح وقُوعُهما مَوْقِعَ الفاعِلَ و لا مَوْقع المبتدإِ و لا الخَبَر.
و في اللِّسان: و قوله تعالى: لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ أَي من قبلِ الأَشياءِ و مِن بَعدِهَا ، أَصلهما هنا الخَفضُ، و لََكنْ بُنِيَا على الضمّ لأَنّهما غايتانِ، فإِذا لم يكونَا غايةً فهما نَصْبٌ لأَنّهما صِفة. و معنَى غايةٍ أَي أَنَّ الكَلِمَة حُذِفَت منها الإِضافَة و جُعلَتْ غَايَةُ الكَلِمَة ما بقِيَ بعد الحذْف. و إِنّمَا بُنيتا على الضّمّ لأَنّ إِعرابَهما في الإِضافة النّصب و الخفض، تقول: رأَيتُه قَبلَك و مِن قَبلِك، و لا يُرفعان، لأَنَّهما لا يُحدَّث عنهما، استعملاَ ظَرفَين، فلمَّا عُدِلاَ عن بابهما حُرِّكا بغير الحَرَكَتَيْن اللَّتَيْنِ كانَتَا له يَدخلان بحقّ الإِعراب. فأَمّا وُجُوبُ بنائهما و ذَهاب إِعرابهما فلأَنَّهُمَا عُرِّفا من غير جهةِ التّعرِيفِ، لأَنّه حُذِف منهما ما أُضيفَتَا إِليه، و المَعنى. للََّهِ الأَمرُ من قَبلِ أَن تُغلَبَ الرُّوم، و من بَعدِ ما غَلَبَتْ. و حكَى الأَزهَرِيُّ عن الفرّاءِ قال: القِرَاءَة بالرّفع بلا نون، لأَنّهما في المعنَى تراد بهما الإِضافَة إِلى شيْءٍ لا محالةَ، فلمَّا أَدّتَا غير معنَى ما أُضِيفَتَا إِليه وُسِمَتَا بالرَّفْع، و هما في موضعِ جَرٍّ، ليكون الرَّفْعُ دَليلاً على ما
[١] التهذيب: و رجعت.
[٢] التهذيب: أبعد.
[٣] التهذيب: أبْعَد.
[٤] قال الراغب في المفردات: قبل يستعمل على أوجه: الأول في المكان بحسب الإِضافة... الثاني: في الزمان نحو زمان عبد الملك قبل المنصور... الثالث: في المنزلة نحو: عبد الملك قبل الحجاج.
الرابع: في الترتيب الصناعي نحو تعلّم الهجاء قبل تعلّم الخط.
[٥] سورة الروم الآية ٤.
[٦] بهامش المطبوعة المصرية: «قال في المصباح: و يسمى تصغير التقريب» .
[٧] سورة البقرة من الآية ١٧٨ و بهامش المطبوعة المصرية: «قوله فَمَنِ اِعْتَدىََ* الخ، الذي في المصباح: عُتُلٍّ بَعْدَ ذََلِكَ» .