تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٥٨ - بعد بعد
الكسرِ في مَعنَى الهلاكِ، حَقَّقَه شيخنا- بُعْداً ، بضمّ فسكون، و بَعَداً . محرَّكةً، قال شيخُنَا: فيه إِيهامُ أَنَّ المصدرين لكلِّ من الفِعلين، و الصّواب أَنّ الضّمّ للمضموم نَظير ضِدِّه الذي هو قَرُبَ قُرْباً، و المحرّك للمكسور كَفَرِحَ فَرَحَاً. انتهى.
قلت: و الّذي في المحكم و اللِّسان: بَعِدَ بَعَداً ، و بَعُد :
هَلَكَ أَو اغترَبَ، فهو باعِدٌ . و البُعْد : الهَلاَكُ، قال تعالى:
أَلاََ بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمََا بَعِدَتْ ثَمُودُ [١] .
و قال مالكُ بنُ الرَّيب المازنيّ:
يَقُولونَ لا تَبْعَدْ و هُم يَدْفِنُّونَنِي # و أَينَ مَكَانُ البُعْدِ إِلاّ مكانيَا؟
و قرأَ الكسائيّ و النّاسُ: كَمََا بَعِدَتْ ، و كان أَبو عَبدِ الرحمََن السُّلَمِيّ يَقرَؤُهَا بَعُدَتْ يجعَلُ الهلاكَ و البُعْد سواءٌ، و هما قريبٌ من السَّوَاءِ، إِلاَّ أَن العرب بعضهم يقول بَعِدَ و بعضُهم يقول بَعُدَ ، مثل سَحِقَ و سَحُقَ. و من النّاس مَن يَقول بَعُد في المكان و بَعِدَ في الهَلاك. و قال يونسُ: العرب تقول بَعِدَ الرَّجُلُ و بَعُدَ ، إِذا تباعدَ في غير سَبٍّ. و يقَال في السَّبِّ: بَعِدَ و سَحِقَ لا غير، انتهى. فالَّذِي ذَهَبَ إِليه المصنّف هو المُجْمَعُ عليه عند أَئِمَّة الُّلغةِ و الّذي رَجَّحَه غيرُ المصنّف هو قول بعضٍ منهم كما تَرَى.
فهو بَعِيدٌ و باعِدٌ و بُعَادٌ ، الأَخير بالضّمّ، عن سيبويه، قيل: هو لُغة في بَعِيد ، ككُبَار في كَبير. ج بُعَدَاءُ ، ككُرَمَاءَ، وافق الذينَ يَقولونَ فَعِيل الذين يقولون فُعَال، لأَنهما أُختانِ. و قد قيل بُعُدٌ ، بضمّتَين كقَضِيبٍ و قُضُبٍ، و ينشد قَول النابغة:
فتِلْكَ تُبْلِغُنِي النُّعْمَانَ إِنَّ له # فَضْلاً على النَّاسِ في الأَدْنَى و في البُعُدِ
و ضبطَه الجوهريّ بالتحريك [٢] ، جمع باعد ، كخادمٍ و خَدَمٍ.
و بُعْدَانٌ، كرَغيفٍ و رُغْفَانٍ. قال أَبو زيد: إِذا لم تكن من قُرْبانِ الأَميرِ فكُنْ مِن بُعْدانِه ، أَي تَباعَدْ عنه لا يُصِبْك شَرُّه.
و زاد بعضُهم في أَوزان الجموع البِعَادَ ، بالكسر، جمْع بَعيدٍ ، ككَريمٍ و كِرَامٍ. و قد جاءَ ذََلك في قول جريرٍ.
و رجلٌ مِبْعَد ، كمِنْجَل: بَعيدُ الأَسْفَارِ. قال كُثيِّر عزّةَ:
مُنَاقِلَةً عُرْضَ الفَيَافِي شِمِلَّةً # مَطِيّةَ قَذَّافِ على الهَوْلِ مِبْعَدِ
و بُعْدٌ باعِدٌ ، مُبالَغَةٌ. و إِنْ دَعوتَ به قلْت: بُعداً له، المختار فيه النّصب على المصدريّة. و كذََلك سُحْقاً له، أَي أَبْعَدَه اللََّهُ، أَي لا يُرثَى له فيما نَزَلَ به. و تَميم تَرفَع فتقول:
بُعدٌ له و سُحْقٌ، كقولك: غلامٌ له و فَرسٌ.
و قال ابن شُميل: رَاودَ رَجلٌ من العرب أَعرابيّة[عن نفسها] [٣] فأَبَت إِلاّ أَن يَجعَلَ لها شيئاً، فجعلَ لها دِرْهَمين، فلما خالطَها جعلت تقول: غَمْزاً و دِرْهماكَ لك، فإِن لم تَغمِز فبُعْدٌ لك. رَفَعَت البُعْدَ . يُضرَب مَثلاً للرَّجُل تراه يَعمل العَمَل الشديدَ.
و البُعْد ، بضم فسكون، و البِعَاد ، بالكسر: اللَّعْن، منه أَيضاً.
و أَبْعَدَهُ اللََّهُ: نَحَّاه عَنِ الخَيْر، أَي لا يُرْثَى له فيما نَزَلَ به. و أَبعده : لعَنَهُ، و غرَّبَه.
و بَاعَدَه مُبَاعَدَة و بِعاداً ، و باعَد اللََّه ما بينهما، و بَعَّدَه تَبعيداً و يُقرأُ رَبَّنََا بََاعِدْ بَيْنَ أَسْفََارِنََا [٤] . و هو قِراءَة العَوام [٥] . قال الأَزهَريّ: قرأَ أَبو عَمرٍو و ابن كَثير بَعِّدْ ، بغير أَلف، و قرأَ يعقوبُ الحضرميّ رَبَّنا بَاعَدَ بالنَّصْب على الخَبر. و قرأَ نافع و عاصم و الكسائيّ و حمزة بََاعِدْ بالأَلف على الدعاءِ. و أَبْعَدَه غيرُه.
و مَنزِلٌ بَعَدٌ ، بالتحريك: بَعيدٌ . و قولهم: تَنَحَّ غيرَ بَعيدٍ ، و غيرَ باعدٍ ، و غير بَعَدٍ ، محرَّكَةً، أَي كنْ قريباً، و غير
[١] سورة هود الآية ٩٥.
[٢] و مثله في التهذيب و مفردات الراغب.
[٣] زيادة عن التهذيب.
[٤] سورة سبأ الآية ١٩.
[٥] قال الفراء: و يقرأ على الخبر: ربُّنا باعَدَ و بعَّدَ . و بعِّد جزم. و قرئ ربنا بَعُدَ بينُ أسفارنا و بينَ أسفارنا .
قال الزجّاج: من قرأ بََاعِدْ و بعِّد فمعناهما واحد. و هو على جهة المسألة. و يكون المعنى: أنهم سئموا الراحة و بطروا النعمة. و من قرأ بعُد بينُ أسفارنا بالرفع فالمعنى بعُد ما يتصل بسفرنا. و من قرأ بعُدَ بينَ أسفارنا فالمعنى بعُد ما بين أسفارنا و بعُد سيرنا بين أسفارنا.