بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٨ - الفرق بين الأمارات و الأصول في كلمات القوم
و هناك خلط ثالث أيضاً و هو أنّ خاصية مقام الإثبات سوف تنسب إلى مقام الثبوت.
و توضيحه هو: أنّه بعد أن بيّن في كلماتهم الفرق بين الأمارات و الأصول بهذا البيان الذي عرفته، ادّعي أنّه من نتائجه حكومة الأمارة على الأصل، لأنّ الأصل أخذ في موضوعه الشك و عدم العلم، و الأمارة جعلت علماً بحكم الشارع، إذاً، فيرتفع موضوع الأصل بها، فكأنّه جعل هذا من خصائص الأمارة، بينما في الحقيقة، أنّ حكومة الأمارات على الأصول هذا شأن مقام الإثبات، لا شأن مقام الثبوت و اللب و الجوهر، لأنّ الحكومة معناها الجمع العرفي بين دليلين بجعل أحدهما مقدّماً على الآخر بوجه من الوجوه، إمّا بالورود، أو بالحكومة، فهنا إذا صحّ و ثبت أنّ دليل حجية الأمارة يكون حاكماً على دليل الأصل بهذا البيان، فهذا ليس بسبب واقع أمارية الأمارة، و أصلية الأصل، بل بسبب طرز اللسان، لأنّ لسان جعل الحجية، جعل الطريقية و العلمية، و إلّا لو بدّل بلسان آخر، كما لو كان بدلًا من أن يقال: (خبر العادل علم)، يقال: (يجب العمل بخبر العادل)، فهنا لا تبقى حكومة، مع أن جوهر الحكومة من ناحية الحكم الظاهري غير مختلف، إذاً، فحاكمية دليل حجية الأمارة على دليل الأصل ليس باعتبار جوهر الأمارة، و جوهر الأصل، و إنّما هو باعتبار طرز لسان مخصوص في الأمارة أو في الأصل، و إلّا لو تغيّر هذا الطرز من اللسان لزالت الحكومة، و لهذا فإنّ جوهر الأمارة باقٍ على أماريته، و جوهر الأصل باقٍ على أصليته، و لو قال الشارع: (كل شيء حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه وجداناً)، فحينئذٍ أيضاً ترتفع حكومة الأمارة، لأنّ الأمارة ليست علماً وجدانياً بل هي علم تعبدي.