بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥١ - أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،
يخرج عن مفهوم تلك القضية و يدخل في منطوقها، أي في القاعدة الأولى، و لكنّهم وقفوا في حيرة من كيفية جعل الحجية في غير الأمارات كما في موارد وجوب الاحتياط، لأنّ الجاعل قد يقول: جعلت الأمارة علماً، و لكن لا معنى لأن يقول: جعلت الاحتياط علماً.
و هذا ما دعا الشيخ الأنصاري (قده) للقول: بأنّ العقاب في موارد وجوب الاحتياط إنّما هو على الحكم الظاهري؛ أي على ترك الاحتياط لا على ترك الحكم الواقعي، لأنّ البيان تمّ على الحكم الظاهري لا على الواقعي.
و نحن نخالف هذا الطرز من التفكير بناء منّا على خطئهم في الفصل بين (المولوية و الحجية)، لأنّه بحسب التحليل، فإنّ البحث عن الحجية هو بحث عن حدود المولوية حقيقة، إذاً، هما مسألة واحدة، لأنّ المولوية عبارة عن حق الطاعة، و هذا حق يدركه العقل بملاك من الملاكات، كشكر المنعم، أو الخالقية، و هذا الحق له مراتب مختلفة، إذ كلّما كان ملاك هذا الحق آكد، كانت دائرة حق الطاعة أوسع، مثلًا: إذا فرضنا أنّ حق الطاعة ملاكه المنعمية، فحينئذٍ، لا إشكال في أنّه كلما كانت المنعمية أوسع كان حق الطاعة أوسع، و لذا نرى أنّ بعض مراتب المنعمية لا يترتب عليها حق الطاعة حتى مع العلم بالتكليف، كما لو كان المنعم هو الجار الأب مثلًا، و علمنا بتكليف منه لنا، فإنّ ما يحكم العقل بلزوم طاعته إنّما هو تكليف له دخل في تحقق شكره و ردّ الجميل له على نعمته، أمّا التكاليف التي ليس لها دخل في ذلك، فلا يحكم العقل بلزوم طاعته فيها، بينما بعض المراتب منها، لسعتها يحكم العقل بلزوم طاعته في التكاليف