بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٤٤ - المقام الأول هو فيما إذا كانت الواقعة المشتبهة غير متكررة، مع فرض كون الطرفين توصليين،
حينئذ ترخيص العقل في إقدام المكلف على أيّهما شاء، إلّا أنّ هذا الترخيص ليس بملاك عدم البيان الذي هو البراءة العقليّة، و إنّما هو ترخيص بملاك (الاضطرار) و عدم إمكان إدانة العاجز عقلًا عن تحصيل الموافقة القطعيّة، لأنّه إن أريد إبطال منجزية العلم الإجمالي بنفس البراءة العقليّة، فهو مستحيل، لأنّ البراءة العقليّة فرع عدم البيان، إذاً، فهي لا تحكم بأن هذا البيان في الرتبة السابقة على البراءة العقليّة، ممّا يعني تجريدها من المنجزية و الحجيّة، و هذا غير ممكن، لمكان العلم الإجمالي في المقام لو لا قيام البرهان على الاستحالة العقلية.
إذاً، لا يمكن إثبات عدم البيان، و إبطال منجزيّة العلم الإجمالي بنفس البراءة العقليّة كما عرفت، بل لا بدّ من قاعدة أخرى لإبطال منجزيّة العلم الإجمالي، و هذه القاعدة، هي (عدم إمكان إدانة العاجز) المعبّر عنها (بالتخيير العقلي)، و عندئذ لو أريد إجراء البراءة العقليّة، بعد إبطال منجزيّة العلم الإجمالي و بيانيته بقاعدة (عدم إمكان إدانة العاجز)-، لكان لغواً و دون معنى، لأنّ هذه القاعدة بنفسها تتكفل الترخيص العقلي، فلو أريد بعدئذ إجراء البراءة العقليّة للترخيص في طول ذاك الترخيص، للزم تحصيل الحاصل، و لكان لغواً في الكلام.
و لنا حول هذا الكلام ملاحظة و اختيار.
أمّا الملاحظة، فهي أنّ المدعى هو إجراء البراءة عن احتمال الوجوب أو الحرمة، بعد الفراغ عن منجزية العلم الإجمالي في نفسه، كما لو لم يكن هناك علم إجمالي بالإلزام بأصل التكليف من الأساس، فعندئذ نجري البراءة العقليّة للتأمين و إسقاط العهدة، لكن هذا إنّما