بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٠٧ - الجهة السادسة هي أنّه هل يكفي البلوغ للفقيه كي يفتي للعامي باستحباب العمل الذي لم يصل إليه خبر استحبابه أو لا؟
الخبر للعامي- على المختار عنده، من أنّ مفاد أخبار (من بلغه) هو جعل الحجيّة للخبر الضعيف، و معه: فإنّ البلوغ و إن صار حجّة بحق المجتهد الذي بلغه الخبر الضعيف، و لكن مفاد هذا الخبر البالغ الذي صار حجّة هو استحباب العمل بمفاده لكلّ المكلفين، و حينئذٍ، يجوز للفقيه الذي بلغه أن يفتي به لمقلديه و لو لم يبلغهم.
ثمّ إنّ هناك وجوهاً عديدة لتخريج جواز إفتاء المجتهد بمفاد أخبار (من بلغه)، و بعضها تام حتّى بناء على استفادة الاستحباب النفسي من أخبار (من بلغه)، نذكرها تباعاً.
الوجه الأول: هو أنّه يمكن تخريج إفتاء المجتهد للمقلد، على أساس أنّ الفقيه بعد بلوغه الخبر الضعيف و جعل الحجيّة له في حقّه، حينئذ يصبح عالماً تعبداً باستحباب مفاده، و معه: فتترتب آثار العمل من الحجيّة و الإفتاء لمقلديه.
و لكن هذا غير تام، فإنّه على تقدير اختصاص الحجيّة بمن بلغه هذا الخبر يكون جواز الإفتاء بالاستحباب للجميع، مع عدم علمه وجداناً بالاستحباب للجميع، مبنياً على القول: بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي.
و هذا غير صحيح، فإنّنا و إن كنّا نقول مثل ذلك فيما يكون دليل حجيته ثابتاً (بالسيرة العقلائيّة)، أو بمثل قوله: (أ يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني)؟ و غير ذلك من ملاكات الكاشفيّة العقلائية، حيث تكون الأمارة قائمة مقام القطع الموضوعي، لا سيّما في خصوص الإفتاء و الإسناد إلى الشارع.
لكن في مثل ما نحن فيه لا نقول بذلك، فإنّ مجرد دليل الحجيّة لا يدلّ على القيام مقام القطع الموضوعي، و إنما يستفاد قيامها كذلك