بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٠٨ - الجهة السادسة هي أنّه هل يكفي البلوغ للفقيه كي يفتي للعامي باستحباب العمل الذي لم يصل إليه خبر استحبابه أو لا؟
من شمول السيرة لذلك، أو دلالة (الأخذ) في قوله: (آخذ عنه معالم ديني)؟ و هذا منتف فيما نحن فيه.
الوجه الثاني: هو أنّه بعد تسليم مبنى قيام الأمارة مقام العلم الموضوعي، يصحّ حينئذ إفتاء المجتهد بالحكم الظاهري بالاستحباب الذي ثبت في حقه جزماً لمقلديه من العوام، لأنّ المرتكز و المتفاهم عرفاً و في نظر العقلاء في جعل الحجج هو فرض إلغاء الخصوصيات الفردية، و حينئذٍ تنصرف أدلّة جعل الحجج إلى ما يلائم هذه المرتكزات العقلائية، و حيث إن موضوع الحجية المستفاد من أخبار (من بلغه) هو واقع الخبر المبلغ للثواب، و ليس مجرد البلوغ، فإنّ البلوغ المأخوذ في أخبار (من بلغه)، إنّما هو في الحقيقة بلوغ للحجيّة، و ليس موضوعاً لها، و إنّما أخذ البلوغ طريقيّاً، إذ حجيّة الخبر البالغ يدلّ على حجيّة أصل هذه الأخبار للجميع، و معه نمنع اختصاص الحجيّة المجعولة في أخبار (من بلغه) بخصوص من بلغه هذا الخبر الضعيف، إذاً، فيصحّ الإفتاء بالاستحباب للجميع.
الوجه الثالث: لتخريج جواز إفتاء المجتهدين بالاستحباب للمقلدين، هو أنّ جواز الإفتاء- من قبل المجتهد للمقلدين بمفاد أخبار (من بلغه) بالاستحباب-، إن كان موضوعه الواقع، إذاً، فأخبار (من بلغه) تجعل هذا الخبر الضعيف كالخبر الصحيح، من حيث الحجيّة، إذاً، فهي تثبت الاستحباب الواقعي، و معه يصحّ أن يفتي به المجتهد للمقلدين.
و إن كان موضوع جواز الإفتاء هو الأعم من العلم بالواقع و قيام الحجّة الشرعيّة، إذاً، فيكون هذا الخبر الضعيف محققاً لذلك الأعم، بناء على أنّ المستفاد من أخبار (من بلغه) هو جعل الحجيّة له.