بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٨١ - الاستدلال بالسنة على الاحتياط
و لكن لا بدّ من التأمل في فقرات هذه الرواية، و لا نتلقاها على أساس ما عندنا من الاصطلاحات الأصولية، بل أن نرجع إلى المفاهيم العرفية و المداليل اللغوية.
فأولًا: نأخذ كلمة (الوقوف)، التي هي في مقابل (الاقتحام)، فهنا، المستدل يقول: بأنّ معناها: ترك العمل و الإحجام عنه.
و لكن هذا المطلب ليس واضحاً، لأنّ الوقوف الذي يقابل الاقتحام لا ينبغي حمله على هذا المعنى، لأنّ الاقتحام معناه: الإقدام بلا تروّ و تمهّل، و الوقوف المقابل له، بقرينة التقابل، يكون عبارة عن أن يقف وقوف التأمّل و التروّي و التريّث في مقابل أن يقتحم، لا أنّه يترك العمل نهائياً، فإنّ مثل هذا ليس وقوفاً، بل معناه: رجوعاً، و حينئذٍ يكون المعنى: إنّ التروي و التأمل و التريث عند الشبهة خير من الاقتحام بدونه، و هذا معنى متفق عليه عند جميع العلماء حتّى بما فيهم من يقول: بالبراءة، و حينئذٍ، فلا دلالة في الرواية على وجوب الاحتياط.
و ثانياً: نأتي إلى كلمة الشبهة في كتبنا الأصولية: حيث اعتدنا أن نعبّر و نسمّي الشك شبهة، فنقول: شبهة موضوعية، أو شبهة حكمية، أو شبهة وجوبية، أو شبهة تحريمية، و نقصد بذلك الشك، إلّا أنّ أصل الشبهة لغة هو المثل و النظير، و منه انتزع الشك، باعتبار أنّه يظهر طرفين على نحو متماثل و متساو، و لهذا عبّر عن الشك بالشبهة، و الروايات التي وردت فيها كلمة الشبهة يستنتج منها أنّ الشبهة كانت تستعمل في كلماتهم (عليهم السّلام) بالمعنى اللغوي، أي التشابه و التماثل في موارد بيان أنّ المورد شبيه الحق بحسب ظاهره، و لكن باطنه ضلالة و انحراف.