شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٧ - ٢٩ وَحَفَظَةِ سِرِّ اللّهِ
والفكري لكلّ الناس، فبعض الأسرار الإلهيّة معقّدة جدّاً؛ بحيث یصعب تحمّلها حتّی على الأنبياء اُولي العزم؛ كالنبيّ موسى علیه السلام، فعندما نقرأ قصّتَه مع العبد الصالح الخضر علیه السلام، حين طلب منه أن يرافقه حتّى يتعلّم منه، فأجابه الخضر علیه السلام:
(إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً).[١]
وفي الوقت نفسه إذا وقف معظم الناس على أسرار اللّٰه المتعلّقة بحياتهم أو بحياة الآخرين فقد يُفضي ذلك إلى فوضى في حياتهم واختلال سير اُمورهم؛ يقول الإمام عليّ علیه السلام:
اِندَمَجتُ عَلىٰ مَكنونِ عِلمٍ لَو بُحتُ بِهِ لاَضْطَرَبتُمُ اضطِرابَ الأَرشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ البَعيدَةِ.[٢]
وعلى سبيل المثال نرى أنّ العالمَ مليء بالأسرار الإلهيّة، والموجودات جميعُها تسبّح اللّٰه وتحمَده، كما جاء في التنزيل:
(وَإِن مِّن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم).[٣]
لكنّ السؤال المهمّ هو: من يسمع نجواهم وتسبيحهم؟ وفي مقام الإجابة لا بدّ من القول: إنّ العارفين بأسرار اللّٰه والمقرّبين إليه هم الذين يسمعون تسبيحَ الموجودات، غير أنّهم لا يُفشون تلك الأسرار. قال أحد العرفاء من أصحاب القلوب: "لا أستطيع النوم مساءً بسبب ــ ضجيج ــ تسبيح الموجودات".
إنّ العارفين بأسرار اللّٰه يقلّ كلامهم حولها كلّما اطّلعوا عليها أكثر، [وهذه حقيقة يمكن تلمّسها من خلال البحث والتقصّي]، قال الشاعر:
من علّموه أسرار الحقّ ختموا فاهُ بحُقّ[٤]
فذَوو الأسرار لا يسمح لهم البوح بمكنوناتهم، لذا لابدّ من أن تتّصف أرواحهم بقوّة
[١] . اُنظر: الكهف: ٦٥-٨٢.
[٢] . نهج البلاغة ، الخطبة: ٥.
[٣] . الإسراء: ٤٤.
[٤] . أصل هذا البيت بالفارسية،
وهو:
آن كه اسرار حق آموختند
مُهر كردند و دهانش دوختند