شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٢ - ٢٨ وَمَعَادِنِ حِكْمَةِ اللّهِ
عِلمُ لقمان الحكيم علیه السلام نموذجٌ للحكمة الحقيقيّة، فقد منحه اللّٰه تعالى هذه الحكمة، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم في قوله تعالى:
(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ).[١]
إنّ لقمان نموذج رائعٌ لمن أراد التّأسّي به والبحث عن الحكمة الحقيقيّة، فهو لم يكن نبيّاً بل كان رجلاً مفكّراً وعبداً صالحاً، سمى بفضل اللّٰه تعالى إلى مرتبة الحكمة، فقد نُقل عن النبيّ الأكرم صلی الله علیه و اله حول كيفيّة بلوغ لقمان واصطفائه لمقام الحكمة:
حَقاً لَم يَكُن لُقمانُ نَبِيّاً، ولٰكِن كانَ عَبداً صَمصامَةً، كَثيرَ التَّفَكُّر، حَسَنَ الظَّنِّ، أحَبَّ اللّهَ فَأَحَبَّهُ، وضَمِنَ عَلَيهِ بِالحِكمَةِ؛ كانَ نائِماً نِصفَ النَّهارِ إذ جاءَهُ نِداءٌ: يا لُقمانُ، هَل لَكَ أن يَجعَلَكَ اللّهُ خَليفَةً فِي الأَرضِ تَحكُمُ بَينَ النّاسِ بِالحَقِّ؟ فَانتَبَهَ، فَأجابَ الصَّوتَ فَقالَ: إن يخيرُني رَبّي قَبِلتُ، فَإنّي أعلَمُ إنْ فَعَلَ ذٰلِكَ بي أعانَني وعَلَّمَني وعَصَمَني، وإنْ خَيَّرَني رَبّي قَبِلتُ العافِيَةَ، ولَم أقبَلِ البَلاءَ.
فَقالَتِ المَلائِكَةُ بِصَوتٍ لا يَراهُم: لِمَ يا لُقمانُ؟ قالَ: لِأَنَّ الحاكِمَ بِأَشَدَّ المَنازِلَ وأكدَرِها، يَغشاهُ الظُّلمُ مِن كُلِّ مَكانٍ، يَنجو ويُعانُ، وبِالحَرِيِّ أن يَنجُوَ، وإن أخطَأَ أخطَأَ طَريقَ الجَنَّةِ، ومَن يَكُن فِي الدُّنيا ذَليلاً خَيرٌ مِن أن يَكونَ شَريفاً، ومَن يَختَرِ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ تَفتنِهُ الدُّنيا ولا يُصيبُ مُلكَ الآخِرَةِ.
قالَ: فَعَجِبَتِ المَلائِكَةُ مِن حُسنِ مَنطِقِهِ. فَنامَ نَومَةً فَغَطَّ بِالحِكمَةِ غَطّاً، فَانتَبَهَ فَتَكَلَّمَ بِها.
ثُمَّ نودِيَ داودُ بَعدَهُ فَقَبِلَها ولَم يَشتَرِط شَرطَ لُقمانَ... وكانَ لُقمانُ يُؤازِرُهُ بِعلمِهِ وحِكمَتِهِ، فَقالَ لَهُ داودُ: طوبىٰ لَكَ يا لُقمانُ! أوتيتَ الحِكمَةَ وصُرِفَتْ عَنكَ البَلِيَّةُ. واُوتِيَ داودُ الخِلافَةَ وابتُلِيَ بِالرَّزِيَّةِ أوِ الفِتنَةِ[٢].[٣]
[١] . لقمان: ١٢.
[٢] . قبول النّبيّ داود علیه السلام الخلافة لا يعني نفي الحكمة عنه، بل يفيد صعوبة الحكومة ومشقّة القيام بأعبائها، وبالتأمّل في اُسلوب حكومة داود علیه السلام وسَوسِ البلاد، نُدرك حكمةَ هذا النبيّ العظيم.
[٣] . تاريخ دمشق، ج١٧، ص٨٥.