شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٤ - ١٠ وَأَوْلِياءَ النِّعَم
وهي على كثرتها سُخّرت لبني البشر بحيث لا يمكن تجاهلها، يقول سعدي الشيرازي في مقدمة ديوانه (گلستان):
لِلّهِ المِنَّةُ، وبِطاعَتِهِ يُتَقَرَّبُ إلَيهِ زُلفىٰ، وبالشُّكرِ تَدومُ النِّعمَةُ وتَزدادُ، إنّ في كُلِّ شَهيقٍ دَوامَ الحَياةِ، وفي كُلِّ زَفيرٍ راحَةَ الذَّاتِ، فَفي كُلِّ نَفَسٍ نِعمَتانِ ويَجِبُ الشُّكرُ عَلىٰ كُلٍّ مِنهُما.
بأيّ لسان أو يد أنت عامل لتخرج في مرماك عن عهدة الشكر[١]
ومن ناحية اُخرى، نجد أنّ نظام الخلقة منح الشاكرين ـ الذين لا يشكرون المنعم باللسان فحسب بل بأعمالهم أيضاً ـ نعمةً ساميةً، وأمّا أتباع مدرسة أهل البيت الذين تعلّموا منهم التواضع وألوان الخشوع أمام نعم اللّٰه تعالى، فيحصلون علی صفاء القلب ونور الباطن، ويُخلون قلوبهم من الأغيار كي تكون ساحةً للّٰه تعالى وحده، وبالتالي يتلقّون أعظم هديّة إلهيّة وهي القلب السليم، الذي ليس فيه ذرّة لغير الربِّ المعبود. روي عن الإمام الصادق علیه السلام:
ما أنعَمَ اللّٰه عز و جل عَلىٰ عَبدٍ أجَلُّ مِنْ أن لا يَكونَ في قَلبِهِ مَعَ اللّٰه تَعالىٰ غَيْرُهُ.[٢]
إنّ القلب السليم يحبّ الأشياء حبّاً للّٰه، ويتبرّأ ممّن يتبرأ منه اللّٰه وحيث إنّ القلب السليم هو كعبة [المقصود] وبيت اللّٰه فإنّه يبقى مطمئنّاً؛ لأنّ أساس القلق هو التردّد والاضطراب، وفي حال أصبح القلب مرتبطاً باللّٰه تبارك وتعالى فإنّه يخلو من كلّ ألوان الاضطرابات، فكما أنّه لا مكان للاضطراب والترّدد في الساحة القدسيّة فكذلك المؤمن الخالص الإيمان لا يُداخله الاضطراب والتردّد، بل يعيش حالة الهدوء، ويشعر قلبه بالاطمئنان ويتنعّم بالسكينة والوقار عند ذكر اللّٰه تعالى:
(أَلاَ بِذِكْرِ اللّٰه تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).[٣]
[١] . أصل هذا البيت بالفارسيّة، وهو:
از دست و
زبان كه برآيد
كز عهده شكرش به در آيد؟
[٢] . التّفسير المنسوب إلی الإمام العسكري علیه السلام، ص ٣٢٨، ح١٨٢.
[٣] . الرعد: ٢٨.