تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٥٨ - التفصيل بين العقل والعرف في الجواز والامتناع
عرفاً وقد اشتبه المراد من ذلك.
فإن كان مرادهم أنّ العرف حاكم بالامتناع في قبال العقل الحاكم بالجواز بعد ما يرى الموضوع متعدّداً بتعدّد العنوان كما يراه العقل، فذلك ممّا لا سبيل إليه؛ إذ لا حكومة للعرف في نحو هذه المسائل التي لا دخل للعواطف والإحساس فيها إلا من طريق العقل.
وإن كان مرادهم اختلاف العقل والعرف في تشخيص الموضوع، فالعقل يرى مجمع العنوانين متعدّداً بتعدّد العنوان بعد الدقّة التي تخصّها ولذلك يحكم بالجواز مثلاً، لكنّ العرف حيث يراه واحداً وجوداً لا يفهم تعدّدها بتعدّد العنوان فيترتّب عليه الحكم بالامتناع ولو كان الحاكم هو العقل فهذا لا يخلو عن وجه.
ولا يرد عليه ما ناقش فيه في «الكفاية» من عدم الاعتبار بالنظر العرفي المسامحي[١] لما نبّهنا عليه كراراً من أنّ النظر العرفي المسامحي إنّما لا يكون معتبراً فيما كان العرف متوجّهاً إلى مسامحته كما في إطلاق الأوزان والمقادير على الناقص أو الزائد أحياناً. ولذلك لا يترتّب أحكام الكرّ على ما نقص من المقدار الحقيقي ولو بأصبع. وأمّا إذا كان نظره في ذلك مع الدقّة التي في إمكانه بحيث لايقبل الواقع إلا بعد التعلّم والتدرّس والعلم بمقدّمات خاصّة، كما في نفي الدم عن لونه، فالأقوى هو الاعتبار بنظره ولو كان مراد الشارع تعميم الحكم لكان عليه التنبيه والبيان.
ولعلّ ما نحن فيه من هذا القبيل، فلو سلّمنا أنّ نظر العرف في أمثال هذه الموارد هو وحدة الموضوع وعدم تعدّده بتعدّد العنوان، فلا ريب في لزوم اتّباعه
[١]. كفاية الاُصول: ٢٠٢ ـ ٢٠٣.