تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ١١٥ - الوجه الثاني أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة
اللهمّ إلا أن يقال: إنّ ما ذكر من عدم جريان البراءة إنّما يتمّ فيما اُحرز الحكم الفعلي في الجملة ولو لم يحرز بمرتبته. وأمّا عند إحراز الملاك للحكم ـ لا نفس الحكم ـ فمجرّد إحرازه في الجملة لا يوجب عدم جريان البراءة إذا احتمل عدم تأثيرها في إثبات حكم فعلي، كما إذا كان هناك ملاك آخر يحتمل أن يزاحمه ويمنع عن تأثيرها في المبغوضية وفعلية الحكم؛ فإنّه عند ذلك لم يقم بيان على حرمة ذلك الفعل ومبغوضيته، فيجري فيه الأصل. وحينئذٍ يمكن أن يقال بصحّته عبادة لو اُتي به بداعي الأمر المتعلّق بما عليه من الطبيعة ولو لم يحرز فيه المصلحة أيضاً، بناء على عدم اعتبار أزيد من إتيان العمل قربة في العبادة وامتثالاً للأمر وعدم اعتبار كونه ذاتاً راجحاً، كيف ويمكن أن لا يكون جلّ العبادات ذاتاً راجحات، بل إنّما يكون كذلك فيما إذا اُتي بها على نحو القربة. نعم المعتبر في صحّته عبادة إنّما هو أن لا يقع منه مبغوضاً عليه كما لا يخفى[١].
انتهى كلامه١ ملفّقاً بين المتن والحاشية مع توضيحات يسيرة منّا.
ويرد على الأخير: أنّ ما ذكره من جريان الأصل فإنّما يتمّ فيما إذا كان للأمر مندوحة حتّى يدّعي العلم بالوجوب وعدم جريان البراءة فيه ويبقى البراءة عن الحرمة بلا معارض إلا أنّه خارج عن الكلام لما تقدّم مراراً أنّه مع وجود المندوحة يقدّم النهي بلا كلام جمعاً بين الغرضين وإنّما الكلام في تقديم النهي في موارد عدم وجود المندوحة، فيكون ممّا لا يجري فيه الأصل كالدوران بين الواجب والحرمة تعيينيين. وسيأتي الكلام في مقتضى الأصل فيه.
[١]. كفاية الاُصول: ٢١٥، و الهامش ١.