بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٥١ - حكم إخراج لحم الهدي والأضاحي من الحرم
ولكن بالرغم من ذلك فقد قيل ـ كما بنى عليه بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] ـ بإمكان إجراء أصالة البراءة عن التعيين، بالنظر إلى عدم جريانها في الطرف الآخر في حدّ ذاته، لأنها إنما تجري لغرض تأمين المكلف عن العقوبة المستحقة في صورة ثبوت الحكم واقعاً ومخالفة المكلف له عملاً، وهذا مما لا سبيل إليه في المورد، لأنه إن أريد بإجرائها التأمين عن العقوبة في حالة ترك الجامع بين الصلاتين مع الإتيان بصلاة الجمعة فهذا أمر غير معقول، لأن ترك الجامع بين الصلاتين لا يكون إلا بترك كلتا الصلاتين. وإن أريد بإجرائها التأمين عن العقوبة في حالة ترك الجامع بين الصلاتين بما يتضمنه من ترك صلاة الجمعة فهو أيضاً غير معقول، لأن المخالفة القطعية ثابتة في هذه الحالة وأصالة البراءة إنما تؤمن عن المخالفة الاحتمالية لا القطعية.
ونظير هذا البيان يمكن أن يدعى جريانه في محل الكلام، فإنه وإن كان المقام من قبيل دوران الأمر بين متباينين ـ لأن إخراج اللحم من منى مباين لإخراجه من الحرم ـ إلا أنه لما كان إخراجه من الحرم يستلزم إخراجه من منى قبل ذلك يأتي فيه ما يماثل الكلام المتقدم، وهو أن إجراء أصالة البراءة عن حرمة إخراج اللحم من الحرم إن كان للتأمين من العقوبة في حالة إخراجه من الحرم من دون إخراجه من منى فهو غير معقول، لأن الإخراج من الحرم لا يكون إلا مع الإخراج من منى قبل ذلك، لفرض أنه لحم هدي قد ذبح بها. وإن كان للتأمين من العقوبة في حالة الإخراج من الحرم مع سبق الإخراج من منى فهذا أيضاً غير معقول، لأن المخالفة القطعية ثابتة في هذه الحالة وأصالة البراءة إنما تؤمن عن المخالفة الاحتمالية، وعلى ذلك يبقى المجال واسعاً لإجراء أصالة البراءة عن حرمة الإخراج من منى.
لا يقال: هناك فرق بين الموردين، فإن في دوران الأمر بين التعيين والتخيير ـ كما في المثال المتقدم بشأن صلاتي الظهر والجمعة ـ يكون مقتضى جريان أصالة البراءة عن وجوب الجامع الانتزاعي بينهما هو الترخيص في ترك الجامع الذي لا
[١] بحوث في علم الأصول ج:٥ ص:٣٥٤ــ٣٥٧.