بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٤٥ - هل يجب على المتمتع أن يأكل من هديه؟
وهذا الوجه غير تام أيضاً ..
أما ما ذكر بشأن الآية الأولى فيرده بأنه لو كان المذكور في الآية المباركة هكذا: (.. وليأكلوا منها ويطعموا البائس الفقير) لأمكن أن يقال: إنه ورد في سياق الفوائد المترتبة على المشاركة في الحج، فلا دلالة فيه على وجوب الأكل والإطعام. ولكن الملاحظ أن الله سبحانه وتعالى غيّر أسلوب الخطاب في الآية الكريمة حيث كانت الفقرة الأولى منها بلفظ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ..﴾، ثم جعل الفقرة الأخيرة بصيغة الأمر فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
ويمكن أن يقال: إن تغيير الأسلوب هذا يؤشر إلى أن الأكل والإطعام يختلفان عما قبلهما، فلولا ورود الأمر بالأكل في مورد توهم الحظر لأمكن البناء على ظهوره في الوجوب، وليس مثل ما ذكر قبله مما هو من فوائد الحج وآثاره.
والحاصل: أن الخدش في دلالة الآية الأولى على وجوب الأكل من الهدي من جهة ما ذكر في غير محله.
وأما ما ذكر بشأن الآية الثانية فيردّه بأنه لو سُلِّم أن قوله تعالى: ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ كناية عن خروج الروح من بدن البدنة ـ كما ذهب إليه جمع من المفسرين [١] ـ فإنه مع ذلك لا سبيل إلى البناء على كون الآية الكريمة مسوقة للإرشاد إلى شرطية زهاق روح البدنة في جواز الأكل منها وإطعام لحمها للقانع والمعتر، بل يتعين أن تكون الشرطية الواردة فيها مسوقة لتحقق الموضوع، إذ يندر أن يقتطع من البدنة شيء من لحمها قبل أن تزهق روحها، بل هو مما يتأخر عن سلخ جلدها الذي لا يتم عادة إلا بعد خروج الروح من بدنها، فلا يناسب أن تكون الآية الكريمة بصدد بيان عدم جواز الأكل من البدنة قبل زوال الروح عنها، لأنه قليل الجدوى.
[١] مجمع البيان في تفسير القرآن ج:٧ ص:١٥٥. الميزان في تفسير القرآن ج:١٤ ص:٣٧٥. أحكام القرآن للجصاص ج:٣ ص:٣١٨. تفسير الفخر الرازي ج:٢٣ ص:٣٦.