بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٦٠ - جواز إخراج لحم الهدي من منى مع عدم الحاجة إليه
خصوص هدي التمتع والقِران بلا شمول لهدي النذر والكفارة ونحوهما، فإن هذه الصحيحة مختصة بالهدي ومطلقة من حيث حاجة الناس إلى اللحم وعدمها، وصحيحة محمد بن مسلم مختصة بصورة عدم حاجة الناس إلى اللحم ومطلقة من حيث كون الأضحية هدياً أو لا، فيقع التعارض بينهما في الهدي مع عدم حاجة الناس إلى لحمه في منى أو الحرم، فإن مقتضى إطلاق صحيحة معاوية عدم جواز إخراج لحمه ومقتضى إطلاق صحيحة محمد بن مسلم هو الجواز.
وعلى ذلك يمكن أن يقال: إن الأرجح إلحاق مورد التعارض بصحيحة محمد بن مسلم والحكم بجواز إخراج لحم الهدي مع عدم الحاجة إليه، لأن أكثر ما يذبح في منى في أيام النحر هو من قبيل هدي القِران والتمتع وأما الأضحية المستحبة فلا يذبحها في الحج إلا قليل ممن يحجون إفراداً، فلا يمكن حمل صحيحة محمد بن مسلم على خصوص الأضحية المستحبة، ولا سيما مع ملاحظة ما ورد فيها من تعليل المنع بحاجة الناس إلى اللحم، فإنه يقتضي الشمول للهدي.
وأما حمل صحيحة معاوية بن عمار على خصوص صورة الحاجة إلى لحم الهدي فلا يستوجب محذوراً. اللهم إلا أن يقال: إن مقتضى صحيحة ابن مسلم توفر اللحم زيادة على حاجة الناس إليه في زمانه ٧ فلو حمل قوله ٧ في صحيحة معاوية: ((لا تخرجن شيئاً من لحم الهدي)) على خصوص صورة الحاجة إلى اللحم اقتضى خلاف ما ورد في صحيحة ابن مسلم [١] ، أي كون ذلك الزمان مماثلاً للصدر الأول في قلة اللحم بمنى أو في الحرم في أيام النحر، فلا يعدُّ ما ذكر من الجمع العرفي المقبول، فليتدبر [٢] .
[١] إلا أن يفرض اختلاف الحال في زمانه ٧ فكان اللحم قليلاً بمنى في وقت فمنع ٧ من إخراجه ثم ازداد فرخص في ذلك، ويناسبه قوله ٧ في صحيحة ابن مسلم: ((كنا نقول: لا يخرج منها ..)) .
[٢] وبهذا البيان يظهر النظر في وجه آخر قد يذكر في المقام لتقديم صحيحة محمد بن مسلم، وهو أنها ناظرة إلى ما ورد من المنع من إخراج اللحوم من منى أو الحرم، فتتقدم عليه في صورة عدم الحاجة بمناط الحكومة، ومن المعلوم أن الدليل الحاكم يتقدم على الدليل المحكوم وإن كانت النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه.
وجه النظر: أن صحيحة معاوية بن عمار تأبى الحمل على خصوص صورة عدم الحاجة إلى اللحم كما تقدم. مضافاً إلى أنه يمكن أن يقال: إن القدر المتيقن هو كون صحيحة محمد بن مسلم ناظرة إلى ما تضمن المنع من إخراج لحوم الأضاحي، وأما كونها ناظرة حتى إلى ما تضمن المنع من إخراج لحم الهدي فغير واضح، فليتأمل.