بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٨٦ - لزوم أن يكون ذابح الهدي والكفارة مسلماً
فكيف يمكن دعوى تواتر حرمة ذبيحة الكتابي مطلقاً، أي وإن سمى الله تعالى عليها؟!
الملاحظة الثانية: أنه (قدس سره) وصف رواة الروايات العشر بالستر والديانة والثقة والحفظ والأمانة، ومعظمهم وإن كان كذلك إلا أن فيهم بعض من ضُعّف كالمفضل بن صالح، وبعضهم كان من الواقفة كالحسين بن المختار وحنان بن سدير والقاسم بن محمد الجوهري وسماعة بن مهران، وبعض منهم لا يعرف من هو، لاشتراك عنوانه بين عدة رواة كالحسين بن عبد الله، أو لكونه ممن روي عنه مع إبهام عنوانه كما في رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابه. هذا بالإضافة إلى بعض من لم يوثقوا كالحسين بن المنذر والقاسم بن محمد الجوهري.
وفي ضوء ذلك فقد يقال: إنه لا يبعد أن يكون توصيفه (قدس سره) للرواة المذكورين بتلك الأوصاف العالية مبنياً على ضرب من التغليب، وربما لغرض مزيد من التأكيد على حرمة ذبائح أهل الكتاب. نظير ما تقدم في مورد آخر بالنسبة إلى توثيقاته لجمع في كتاب الإرشاد والرسالة العددية (لاحظ قبسات من علم الرجال ج:١ ص:٢١).
أقول: الملاحظ أنه (قدس سره) لم يورد جميع الروايات الدالة على حرمة ذبيحة الكتابي في الكافي أو في كتاب الحسين بن سعيد بل انتقى بعضها، لا بترك المكرر أو ما هو بمثابته أو ما لا تعلق له بمحل كلامه فقط، بل بعدم إيراد ما وقع في سنده رجل مطعون عنده.
ففي الكافي روى بإسناده عن محمد بن سنان عن إسماعيل بن جابر قال: قال لي أبو عبد الله ٧: ((لا تأكل ذبائحهم، ولا تأكل في آنيتهم، يعني أهل الكتاب)) (الكافي ج:٦ ص:٢٤٠)، ونحوه ما رواه الحسين بن سعيد (تهذيب الأحكام ج:٩ ص:٦٣ــ٦٤)، ولم يذكر هذه الرواية في رسالته، والظاهر أنه من جهة طعنه في محمد بن سنان، كما نص على ذلك في موضع آخر (جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية ص:٢٠).
وفي كتاب الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله ٧: ((لا تأكل من ذبيحة المجوسي)) (تهذيب الأحكام ج:٩ ص:٦٥)، ولم يذكر هذه الرواية أيضاً، ولعله من جهة كون علي وهو علي بن أبي حمزة البطائني مطعوناً عنده.
وأما ما ذكر من أن المفضل بن صالح ممن ضعّف فهو وإن كان صحيحاً إلا أنه روى عنه البزنطي الذي هو ممن قالوا إنه لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة، فلعل المفيد (قدس سره) كان يبني على وثاقته أيضاً.
وأما كون الحسين بن المختار وحنان بن سدير والقاسم بن محمد الجوهري وسماعة بن مهران من الواقفة، فيمكن أن يقال: إنه لا ينافي توصيفهم بالديانة، إذ لا يبعد أنه لم يقصد بها صحة المذهب بل أصل الاعتقاد بالإمامة أو الالتزام العملي بالإسلام المستلزم لتجنب الكذب والافتعال، فليتأمل.
وأما كون الحسين بن عبد الله مشتركاً لا يعلم من هو المراد به فكيف تسنى له التأكد من وثاقته ودينه؟ فالجواب عنه أنه يجوز أنه (قدس سره) شخص المقصود به بقرينة الراوي عنه وهو الحسين بن المختار، وإن لم يتيسر لنا ذلك لفقد المصادر.
وأما بعض أصحاب ابن أبي عمير الذي روى عنه مبهماً فيجوز أنه اعتمد في وثاقته على كونه ممن عرف بأنه لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة كما نص على ذلك الشيخ (قدس سره).
والحاصل: أنه لا يوجد شاهد واضح على أن توصيفه (قدس سره) لرواة الروايات العشر بالوثاقة وغيرها من الأوصاف الحسنة كان مبنياً على التغليب، فمقتضى الصناعة هو الأخذ به.
وبذلك تثبت وثاقة الحسين بن المنذر، وكذلك القاسم بن محمد الجوهري إن لم يعتمد في ثبوت وثاقته على كونه من مشايخ ابن أبي عمير، وكذلك الحسين بن المختار إن لم يلتزم بثبوت وثاقته من طريق آخر كتوثيق ابن عقدة إياه نقلاً عن ابن فضال، أو كونه من مشايخ ابن أبي عمير والبزنطي. وأيضاً تثبت وثاقة الحسين بن عبد الله الذي روى عنه الحسين بن المختار وإن لم يكن لهذا أثر غير اعتبار الرواية المذكورة، لأنه لم يعثر على رواية أخرى للحسين بن المختار عن الحسين بن عبد الله في ما بأيدينا من المصادر. ويضاف إلى ما تقدم ثبوت وثاقة إبراهيم بن هاشم بناءً على عدم ثبوتها من طريق آخر، والله العالم.