بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٧٩ - هل تختص حرمة صيام أيام التشريق بمن يكون في منى؟
ومقتضى الوجه الثاني ـ كما أشير إليه أيضاً ـ أن الحاج لا يجوز له أن يصوم أيام التشريق حتى لو لم يدخل منى فيها أصلاً ـ ولو لسقوط المباشرة في رمي الجمرات عنه ـ بل قضاها بتمامها في مكة مثلاً، وأما غير الحاج فيجوز له أن يصومها وإن قضاها في منى في خدمة الحجاج أو لغرض آخر.
وقد مضى نظير هذين الوجهين في الروايات الدالة على أن أيام النحر بمنى ثلاثة أو أربعة وفي سائر الأمصار يوم واحد أو ثلاثة أيام، وتم ترجيح كونها مسوقة للتفصيل بين الحاج وغيره في الأيام التي يجوز لهما أن يذبحا فيها في عيد الأضحى لا كونها مسوقة لتحديد الأيام التي يجوز الذبح فيها بمنى ولو لغير الحاج وبغير منى ولو للحاج.
ومن هنا قلنا: إن الحاج إذا لم يتيسر له الذبح بمنى وجاز له أن يذبح بمكة ـ مثلاً ـ فليس مقتضى ما دل على أن الذبح بالأمصار يوم واحد هو أن يتعين عليه أن يذبح في يوم العيد فقط، بل له أن يذبح خلال ثلاثة أو أربعة أيام كما لو كان يذبح بمنى.
ولا يبعد أن يكون الأمر كذلك في صحيحة معاوية المبحوث عنها الواردة في حكم صيام أيام التشريق، فهي مسوقة للتفصيل فيه بين الحاج وغيره لا التفصيل فيه بين من يكون بمنى وإن لم يكن حاجاً وبين من يكون في خارجها وإن كان حاجاً.
والوجه فيه: أن الظاهر أن الأصل في ما ورد في هذه الصحيحة هو ما صدر من النبي الأعظم ٦ بمنى لما أمر ـ كما ورد في روايات الفريقين ـ بديل بن ورقاء بأن ينادي: (إن هذه أيام أكل وشرب فلا يصومن أحد). ويمكن القول: إن ذلك النداء وإن كان موجهاً إلى من كان في منى ولكن الملاحظ أنه لم يؤخذ فيه هذا العنوان، وحيث إن المخاطبين به كانوا جميعاً من الحجاج ـ ربما إلا الشاذ النادر منهم ـ وكان النداء يتعلق بما هو من شؤون الحج يتجه القول بأن المتفاهم العرفي منه هو كونه موجهاً إليهم بصفتهم حجاجاً لا بصفتهم حاضرين في منى، نظير ما إذا خاطب إمام الجماعة المصلين في المسجد بما هو من شؤون