بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩٠ - إذا تصرف في الهدي بغير ما أذن له فيه
ولا يخفى أن مبنى الاستدلال بها هو كون المراد بقوله ٧: ((من تصدق بصدقة ثم ردت عليه)) هو من تصدق على شخص بصدقة ولكنه لم يقبلها منه، نظير ما ورد في قوله ٧: ((أيسر أحدكم إذا تصدق بصدقة أن ترد عليه)) الكافي (ج:٤ ص:١٢٧)، وهذا المعنى هو المناسب مع لفظ خبر ابن علوان: ((من تصدق بصدقة فردت عليه فلا يجوز له أكلها ولا يجوز له إلا إنفاذها ..)) . ولكن هذا الخبر غير نقي السند على المختار.
وأما موثقة طلحة فهي خالية عن قوله: ((ولا يجوز له إلا إنفاذها)) ، والمناسب لاستخدام حرف العطف (ثم) فيها أن يكون المراد بقوله: ((ردّت عليه)) هو ما إذا انتقلت الصدقة مرة أخرى إلى ملك دافعها ببعض النواقل، نظير ما ورد في معتبرة إسماعيل الجعفي قال: قال أبو جعفر ٧: ((من تصدق بصدقة فردها عليه الميراث فهي له)) من لا يحضره الفقيه (ج:٤ ص:١٨٤)، ولا أقل من إجمال الرواية وتردد المعنى المراد بها بين الوجهين فلا تصلح للاستدلال بها في ما نحن فيه، فليتأمل.
هذا مضافاً إلى أنه لو سُلِّم كونها بمفاد خبر ابن علوان فإنه يشكل الالتزام بمضمونها إلا على سبيل النهي التنزيهي عن التصرف في المال المتصدق به بعد الرد، وهو محمل خبر علي بن إسماعيل عمن ذكره عن أبي عبد الله ٧ في الرجل يخرج الصدقة يريد أن يعطيها السائل فلا يجده؟ قال: ((فليعطها غيره، ولا يردها في ماله)) تهذيب الأحكام (ج:٩ ص:١٥٧)، لأن من يتصدق بمال على شخص إنما ينوي القربة إلى الله تعالى بالتصدق به عليه لا مطلقاً، فكيف يحكم عليه بأنه قد جعل ذلك المال لله ويلزم بدفعه إلى غيره إذا لم يقبله منه الأول؟!
وبعبارة أخرى: إن في كثير من موارد التصدق على الغير بل في أغلبها يكون للمتصدق عليه خصوصية في نظر المتصدق، لكونه ممن يهمه أمره بحيث لولا ذلك لما تصدق بماله، وعلى ذلك فلا يكون من قبيل تعدد المطلوب بأن ينحل تصدقه إلى أمرين: أحدهما جعل المال لله، والثاني تمليكه للمتصدق عليه، حتى إذا لم يتم الثاني يصح الأول، فيلزمه صرف المال في مورد مشابه، فإن هذا على خلاف قصد المتصدق في أغلب الموارد، ولا يمكن البناء عليه إلا بتعبد محض، وهو خلاف ظاهر الموثقة، فليتدبر.
٣ ـ خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى ٧: وسألته عن الصدقة يجعلها الرجل لله مبتوتة، هل له أن يرجع فيها؟ قال: ((إذا جعلها لله فهي للمساكين وابن السبيل، فليس له أن يرجع فيها)) مسائل علي بن جعفر (ص:١٩٩).
ووجه الاستدلال به هو أن تعرض الإمام ٧ لمصرف الصدقة المذكورة كالصريح في أن الصدقة المذكورة تمحضت من قِبل المتصدق في أصل التصدق بنحو الإطلاق من دون قصد متصدق عليه خاص، فهي بنحو من الإيقاع، وتكون من محل الكلام.