بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٩ - حكم من كان واجداً لثمن الهدي ونسي أو جهل أن يهدي وصام بدلاً عنه
وغيرها، فإن موضوع الأمر فيها بالصيام بدلاً عن الهدي هو من لم يجد هدياً، أو لم يكن أو ليس له هدي ونحو ذلك. وهذه العناوين منصرفة عن من وجد الهدي وكان له إلا أنه تصرف فيه بوجه آخر.
وبالجملة: مقتضى الصناعة في الصورة المذكورة عدم الاجتزاء بالصيام بدلاً عن الهدي بل الحكم ببطلان حج التمتع بالتعمد في ترك بعض أفعاله.
الثانية: ما إذا عجّز نفسه جهلاً أو خطأً أو نسياناً أو اضطراراً، كما إذا كان له المال الوافي بثمن الهدي فتصرف فيه في مورد آخر اعتقاداً منه بوجود مال آخر له يكفي لشراء الهدي ثم تبيّن خطأه أو نسي وجوب الهدي تعييناً في حج التمتع وظن أنه مخير فيه بين الهدي والصيام، أو أنه اضطر إلى صرف المال المخصص لشراء الهدي في العلاج من مرض طارئ ونحو ذلك.
والظاهر أنه لا قصور في أدلة بدلية الصيام عن الهدي من حيث شمولها لهذه الصورة في مختلف مواردها حتى إذا فرض كون التعجيز عن جهل تقصيري بالحكم، فإن ما تقدم من انصرافها عن من عجّز نفسه عن علم وعمد لا يجري في غيره من موارد التعجيز، فليتدبر.
(الفرع الرابع): إذا كان واجداً للمال الوافي بثمن الهدي ولكنه جهل ذلك أو نسيه أو جهل أو نسي وجوب الهدي عليه تعييناً، فصام الأيام الثلاثة بدلاً عنه ولم يعلم أو لم يتذكر إلا بعد فوات أوان الذبح والنحر بمضي أيام التشريق ـ على رأي ـ أو انقضاء شهر ذي الحجة ـ على رأي آخر ـ فهل يجزيه صيامه أو لا؟
مقتضى الصناعة هو عدم الإجزاء، لأن موضوع الأمر بالصيام هو غير الواجد للهدي، والمفروض أن هذا كان واجداً له غير أنه لم يعلم بذلك أو نسيه أو لم يعلم بالحكم أو نسيه، إلا أن هذا لا يغير من واقع عدم فعلية الأمر بالصيام في حقه، فلا محل للاجتزاء به بدلاً عن الهدي.
وعلى ذلك فهل يحكم ببطلان حج تمتعه أو أنه يجزيه الهدي في العام اللاحق؟
[١] قد يقال: إن تحديد أيام الذبح بيوم العيد وأيام التشريق إنما ثبت بالسنة لا بالكتاب الكريم، فإذا ترك الهدي عن نسيان أو جهل يعذر فيه إلى أن انقضت أيام التشريق يمكن البناء على جواز الذبح له في ما بعدها قبل انتهاء شهر ذي الحجة لقاعدة (لا تنقض السنة الفريضة).
ولكن يمكن أن يقال: إن ما دل على مضي أيام الذبح بانتهاء أيام التشريق مورده المعذور عن الذبح فيها، فهو بمثابة المخصص للقاعدة المذكورة في مورد الإخلال بالوقت المحدد للذبح عن عذر، فليتدبر.
[٢] الكافي ج:٤ ص:٥٠٨. تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٣٧.
[٣] لاحظ ج:٢٠ ص:٥٩٨ وما بعدها.
[٤] لاحظ الكافي ج:٤ ص:٥٠٩، وتهذيب الأحكام ج:٤ ص:٢٣١.
[٥] قد يقال: إن الصيام بدل الهدي هو كالهدي فريضة قرآنية، وإذا كان تركه إلى آخر ذي الحجة عن عذر من نسيان أو جهل لا يؤدي إلى بطلان الحج بل يكتفى من المتمتع عندئذٍ ببعث الهدي في السنة القادمة، فمن البعيد أن يكون حكم من ترك الهدي لمثل ذلك مختلفاً عنه بحيث يحكم عليه ببطلان حجه ولزوم إعادته مع توفر الاستطاعة، أي يستبعد أن يكون حكم البدل الذي هو أيضاً كالمبدل فريضة قرآنية لا سنة نبوية متفاوتاً عنه إلى هذه الدرجة في نفس صورة الإخلال به عن عذر.
ولكن الإنصاف أن هذا مجرد استبعاد، ولا يصل إلى مستوى الاطمئنان بالتسوية بينهما في الحكم.