بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٢٤ - إذا لم يصم الثلاثة حتى أهلّ هلال محرم سقط الصوم وتعين الدم
يهل هلال المحرم يتجه القول بإمكان تقييد الروايتين وحملهما على غير الصورة المذكورة بأن يكون المراد بقوله ٧ فيهما: ((فليصم في الطريق)) هو (فليصم في الطريق قبل أن يهل هلال المحرم)، وهذا لا محذور فيه.
والمتحصل مما سبق: أن الوجه الأول الذي ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) وورد في كلام غيره أيضاً من إنكار انعقاد الإطلاق لصحيحتي معاوية وسليمان بن خالد بحيث تشملان صورة انقضاء شهر ذي الحجة قبل الرجوع إلى الأهل غير تام.
الوجه الثاني [١] : أنه لو سُلّم إطلاق صحيحة معاوية وما بمعناها لما بعد انقضاء شهر ذي الحجة فإنه لا سبيل إلى الأخذ به لأن النسبة بينها وبين صحيحة منصور بن حازم هي العموم من وجه، فإنها مختصة بمن لم يصم قبل الرجوع إلى أهله لعدم تمكنه من المقام بمكة بعد أيام التشريق، ويلحق به سائر ذوي الأعذار كالمريض والحائض، إذ لا خصوصية لغير المتمكن من البقاء من جهة عجلة الجمال قطعاً، وهي مطلقة من حيث الإتيان بصيام الأيام الثلاثة في شهر ذي الحجة أو بعد انقضائه. وأما صحيحة منصور فهي مختصة بمن من لم يصم إلى انقضاء شهر ذي الحجة، ومطلقة من حيث كونه معذوراً في ترك الصوم بمكة وعدمه، فهما يتعارضان في من كان له عذر في ترك الصوم بمكة ثم لم يصم حتى انقضى شهر ذي الحجة، فإن مقتضى إطلاق صحيحة معاوية ونحوها أنه يصوم، ومقتضى إطلاق صحيحة منصور أنه يبعث بالدم، وبعد التساقط يرجع إلى عموم قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ المفسّر الحج فيه بشهر ذي الحجة، حيث يقتضي عدم الاجتزاء بالصوم بعد شهر ذي الحجة، ويمكن أن تجعل الآية مرجحة للطائفة الثانية لا مرجعاً بعد تساقط الطائفتين، وعلى كل حال يتعين سقوط الصيام ووجوب الهدي كما عليه المشهور [٢] .
[١] مستند الناسك في شرح المناسك ج:٢ ص:٢٢٤.
[٢] تجدر الاشارة إلى أنه (قدس سره) استثنى الناسي من مورد التعارض بين الطائفتين بدعوى أنه لا ينبغي الشك في خروجه عن إطلاق صحيحة معاوية وما بمعناها بمقتضى صحيحة عمران الحلبي السليمة عن المعارض.
وقال أيضاً: إنه لا ينبغي الشك في خروج العامد أيضاً، فإنه محكوم بالهدي جزماً بل لم يكن داخلاً ليخرج، لعدم الدليل على جواز الصوم منه في غير مكة أو الطريق حتى في شهر ذي الحجة، لاختصاص الروايات الناطقة بجواز التأخير إلى البلد بغير المتمكن، إما لعدم إمهال الجمّال أو لغير ذلك، فهو إذاً مشمول لإطلاق صحيحتي منصور من غير معارض (مستند الناسك ج:٢ ص:٢٢٤ــ٢٢٥).
أقول: أما خروج الناسي من إطلاق صحيحة معاوية الواردة في مطلق من فاته الصيام بدل الهدي بمكة فهو مبني على احتمال ثبوت الخصوصية للناسي، بأن يثبت عليه الهدي ولا يجتزأ منه بالصيام عند أهله بخلاف غيره ممن فاته الصيام بمكة لعذر آخر، فيجتزأ منه أو يصوم الثلاثة مع السبعة في بلده. وهذا بعيد جداً، فإن الناسي أولى بالإرفاق من غيره مع وضوح أن الصيام أخف مؤونة من بعث الهدي، فالأوجه عدّ صحيحة عمران الحلبي كصحيحة منصور معارضة لصحيحة معاوية وما بمعناها، لعدم تيسر الجمع بينهما بحمل الأخيرة على غير الناسي.
وأما ما أفاده (قدس سره) من أن جواز الصوم في الطريق أو في البلد لا يشمل من تعمد تركه قبل خروجه من مكة فهو وإن كان تاماً إلا أن ما جزم به من كونه محكوماً بالهدي غير ظاهر، فإنه لا يحرز إطلاق صحيحة منصور لمثله، لأن المنساق منها كون موردها هو من يشرع له الصيام حتى هلال المحرم، ومن تعمد تركه حتى خرج من مكة لا دليل ـ حسب الفرض ـ على كونه كذلك.
ومن هنا فإن مقتضى الصناعة هو الحكم ببطلان حجه لتركه ما هو وظيفته من الإتيان بالصيام بدل الهدي قبل الرجوع إلى أهله، فليتدبر.