بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٤٣ - هل يجب على المتمتع أن يأكل من هديه؟
الهدي هو صحيحة معاوية بن عمار الأولى، وهي تصلح قرينة على كون الأمر في الآية الكريمة للوجوب أيضاً، ولا غرو أن يكون كذلك، وإن فرض أن كثيراً من المسلمين كانوا يتوهمون آنذاك عدم جواز أن يأكل صاحب الهدي من هديه انسياقاً مع معتقدات أهل الجاهلية، فإن توهم الحظر إنما يمنع من ظهور الأمر في الوجوب ولا يمنع من حمله عليه مع القرينة المقتضية لذلك، وهي هنا صحيحة معاوية المذكورة.
ويمكن أن يكون إيجاب الله تعالى على الحاج أن يأكل من هديه هو لغرض القضاء على ما كان من سنن الجاهلية من الامتناع من ذلك، فإن مجرد الترخيص في الأكل ربما لا يحقق الغرض المذكور بل لا بد من الإيجاب والإلزام لكي يتحقق على الوجه المطلوب، فإن كثيراً من الناس تتغلب عليهم رواسب الماضي فلا يخالفون تقاليد أسلافهم إلا إذا ألزموا بذلك، ولا يكفي الترخيص لهم في خلافها.
ونظير المقام ما ورد في الأكل من الذبائح التي يذكر اسم الله عليها، حيث يلاحظ أن الله تعالى لم يكتف بدفع توهم الحظر عنه ـ كما كان عليه أهل الجاهلية ـ بقوله سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ بل عقبه بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، مستنكراً امتناعهم عن الأكل منه اتباعاً لتقاليد أهل الجاهلية، فليتأمل.
ومهما يكن فقد تحصل مما تقدم أن المناقشة في دلالة الآية المباركة على وجوب أن يأكل الحاج من هديه وإن كانت تامة بالنظر إلى الآية الشريفة نفسها، ولكنها لا تتم بملاحظة صحيحة معاوية بن عمار التي تعدّ بمثابة القرينة على ما هو المقصود بها.
هذا وهناك وجوه أخرى ذكرت للمناقشة في دلالتها على وجوب الأكل لا بأس بالتعرض لها ..
(الوجه الأول): ما ذكره بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] من أن الهدي يلحظ
[١] المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:٢ ص:٣٦٦.