بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٩٢ - هل يجب الإتيان بصيام الأيام الثلاثة في خصوص مكة بعد أيام التشريق؟
وقد رويت بلفظ آخر أيضاً [١] وهو (((يصوم ثلاثة أيام)) ، قلت له: أمنها أيام التشريق؟ قال: ((لا، ولكن يقيم بمكة حتى يصومها، وسبعة ..)) ).
فإنه قد يقال: إن مقتضى إطلاق الروايتين لزوم الإتيان بصيام الأيام الثلاثة بمكة وإن كان ذلك في العشر الأول، إذ ليس فيهما ما يقتضي الاختصاص بمن أراد الإتيان به بعد أيام التشريق.
ولكن هذا الكلام غير واضح، بل لا يبعد تعلق الروايتين بخصوص من يريد الإتيان بالصيام بدل الهدي بعد العود من منى، بقرينة قوله ٧ في ذيل صحيحة سليمان بن خالد: ((فإن لم يقم عليه أصحابه ولم يستطع المقام بمكة)) ، فإنه ظاهر الدلالة على كون مورد كلامه ٧ هو الإقامة بمكة بعد الرجوع من منى لا مطلقاً.
بل يمكن أن يقال: إن قوله ٧ في صحيحة ابن سنان ـ وكذلك في أحد اللفظين لصحيحة ابن خالد [٢] ــ: ((ولكن يقيم بمكة حتى يصومها)) إنما هو في مقابل قوله ٧: ((ليس فيها أيام التشريق)) ، أي بلحاظ أن الحاج يقضي هذه الأيام بمنى، مما يدل على أن المراد هو أنه لا يصوم أيام التشريق ولكن يقيم بعدها بمكة حتى يصومها، فلا محل لدعوى إطلاق الروايتين لمن يريد الصيام بدل الهدي في العشر الأول من ذي الحجة. بل هذا بعيد في حدّ ذاته، لوضوح أن الحاج لا يكون في يومي التروية وعرفة في مكة ـ وهما يومان من الثلاثة التي يرجح صومها بدل الهدي في العشر الأول ـ بل الملاحظ أن كثيراً من الحجاج يدخلون مكة المكرمة متأخرين عن أول ذي الحجة مع ورود النص على جواز صيام الأيام الثلاثة من أوله.
وبالجملة: إطلاق الصحيحتين لمن أراد الإتيان بصيام الأيام الثلاثة في العشر الأول من ذي الحجة غير واضح بل ممنوع، فالأرجح تعلق الروايتين بصيام الثلاثة بعد الرجوع من منى كالقسم الثاني الآتي.
[١] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٢٢٩.
[٢] ولا يبعد أن يكون اللفظ الآخر اختصاراً بعد وضوح كون الأصل فيهما واحداً.