بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٧٣ - حكم من وجد الهدي بعد التلبس بالصيام وقبل مضي أيام التشريق
وموضوع وجوب الصيام هو الفاقد، وإذا ورد خبر يدل على وجوب الهدي في مورد معين وهو من كان فاقداً فصام الأيام الثلاثة ثم وجد الهدي قبل مضي الوقت، وخبر آخر يدل على الاجتزاء بالصيام في ذلك المورد فيمكن أن يقال: إن العرف لا يساعد على الجمع بينهما بالحمل على التخيير مع أفضلية الهدي.
وبعبارة أخرى: لا مانع ثبوتي من التخيير المذكور في حدّ ذاته بأن يكون مرجعه إلى الاستثناء من الحكمين كما تقدم، وما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) في مورد التيمم والوضوء يناقش فيه بما تقدم، ولكن الجمع بين دليلين مختلفين واردين في مورد يكون الموضوع لأحد الحكمين هو الواجد والموضوع للآخر هو الفاقد بالتخيير لا يساعد عليه العرف.
مثلاً: قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وهو يدل على أن وظيفة المحدث بالحدث الأصغر هي الوضوء، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى .. فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ وهو يدل على أن وظيفة من لم يكن واجداً للماء هي التيمم، فإذا ورد في خبر في من لم يجد من الماء إلا ما كان متعفناً بالميتة الطاهرة أنه يتيمم وورد في خبر آخر أنه يتوضأ به فليس من الجمع العرفي في شيء أن يحملا على التخيير بين الوضوء والتيمم، لأن المنساق مما تضمن الأمر بالتيمم كون ذلك تطبيقاً للآية الكريمة الدالة على وجوب التيمم على فاقد الماء، بلحاظ اشتراط أن يكون الماء نظيفاً عرفاً بالإضافة إلى طهارته شرعاً، فليس هو استثناءً من وجوب الوضوء دون التيمم على واجد الماء، بل من حيث عدّه فاقداً له من جهة فقدان ما تحت تصرفه للشرط المعتبر فيه وهو النظافة العرفية.
وكذلك المنساق مما تضمن الأمر بالوضوء كون ذلك تطبيقاً للآية الكريمة الدالة على وجوب الوضوء على واجد الماء بلحاظ أنه لا يشترط في ماء الوضوء إلا أن يكون طاهراً شرعاً، ولا يعتبر أن يكون نظيفاً عرفاً، فلا مجال للاجتزاء من واجده بالتيمم بعد كونه واجداً للماء الصالح للوضوء.
وعلى ذلك فإن العرف لا يرى إمكان الجمع بين الدليلين المذكورين