جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٦ - الأوّل النيّة
................
-
الأصحاب من جعل إحضار ذات الصلاة و صفاتها هي المقصودة، و الامور الأربعة مشخّصات للمقصود، أي يقصد الذات و الصفات مع التعيين و الأداء و الوجوب و القربة، و كانت نيّته هكذا: اصلّي فرض الظهر بأن اوجد النيّة و تكبيرة الإحرام مقارنة لها ثمّ أقرأ و يعدّد أفعال الصلاة إلى آخرها، ثمّ يعيد: اصلّي فرض الظهر على هذه الصفات أداءً لوجوبه أو ندبه قربةً إلى اللّٰه تعالى» ( [١]). و لقد أجاد في ردّه بأنّه «و إن كان هذا مجزياً إلّا أنّ الإعراض عنه من وجوه ثلاثة:
أحدها: أنّه لم يعهد من السلف.
و ثانيها: أنّه زيادة تكليف، و الأصل عدمه.
و ثالثها: أنّه عند فراغه من التعداد و شروعه في النيّة لا تبقى تلك الأعداد في التخيّل مفصّلة، فإن كان الغرض التفصيل فقد فات، و إن اكتفي بالتصوّر الإجمالي فهو حاصل بصلاة الظهر؛ إذ مسمّاها تلك الأفعال، على أنّ جميع ما عدّده إنّما يفيده التصوّر الإجمالي؛ إذ واجب كلّ واحد من تلك الأفعال لم يتعرّض له، مع أنّها أجزاء، منها مادّية أو صوريّة» ( [١]). و احتمال إرادة المصنّف من «صفة الصلاة» كونها ظهراً واجبة مؤدّاة، يدفعه: قوله: «و القصد إلى امور أربعة» فتعيّن حمله على إرادة ما سمعت الذي فيه- مضافاً إلى ما عرفت- أنّه ليس هو حقيقة النيّة، و إنّما هو تشخيص المنويّ؛ إذ النيّة أمر واحد بسيط، و هو القصد إلى فعل الصلاة المخصوصة، و الامور المعتبرة فيها- التي يجمعها اسم المميّز- إنّما هي مميّزات المقصود، و هو المنويّ، لا أجزاء لنيّته، بل القربة المفسَّرة عندهم بغاية الفعل المتعبَّد به خارجة عنها أيضاً. نعم لمّا كانت النيّة عزماً و إرادة متعلّقةً بمقصود معيّن اعتبر في تحقّقها إحضار المقصود بالبال أوّلًا بجميع مشخّصاته كالصلاة مثلًا و كونها ظهراً واجبة مؤدّاةً مثلًا، ثمّ يقصد إيقاع هذا المعلوم على وجه التقرّب إلى اللّٰه تعالى، فلفظة «اصلّي» مثلًا هي النيّة.
إذ هي و إن كانت مقدّمة لفظاً فهي متأخّرة معنىً؛ لأنّ الاستحضار القلبي الفعلي يصيّر المتقدّم من اللفظ و المتأخّر في مرتبة واحدة.
قال في المسالك: «و قد أفصح عن هذا المعنى- أجود إفصاح- الشهيد في دروسه و ذكراه» ( [٣]).
قلت: قال في الأوّل: «لمّا كان القصد مشروطاً بعلم المقصود وجب إحضار ذات الصلاة و صفاتها الواجبة، من التعيين و الأداء و القضاء و الوجوب، ثمّ القصد إلى هذا المعلوم لوجوبه قربةً إلى اللّٰه تعالى مقارناً لأوّل التكبير .. إلى آخره» ( [٤]).
و قال في الثاني: «النيّة قصد، و متعلّقه المقصود، فلا بدّ من كونه معلوماً، فيجب إحضار ذات الصلاة و صفاتها الواجبة من التعيين و الأداء و القضاء و الوجوب للتقرّب إلى اللّٰه تعالى ثمّ يقصد إلى هذا المعلوم. و تحقيقه: أنّه إذا اريد نيّة الظهر مثلًا فالطريق إليها إحضار المنويّ بمميّزاته عن غيره في الذهن، فإذا حضر قصد المكلّف إلى إيقاعه تقرّباً إلى اللّٰه تعالى، و ليس فيه ترتيب بحسب التصوّر، و إن وقع ترتيب فإنّما هو بحسب التعبير عنه بالألفاظ؛ إذ من ضرورياتها ذلك، فلو أنّ مكلّفاً أحضر في ذهنه الظهر الواجبة المؤدّاة ثمّ استحضر قصد فعلها تقرّباً إلى اللّٰه و كبّر كان ناوياً، و لو جعل القربة مميّزاً كأن يستحضر الظهر الواجبة المؤدّاة المتقرَّب
[١] الذكرى ٣: ٢٤٧.
[٣] المسالك ١: ١٩٦.
[٤] الدروس: ١٦٦.