جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٥٢ - ما هو الأفضل للإمام في الثالثة و الرابعة
................
-
بل قد يستشعر من هذه المخالفة فيه أنّ المراد بيان أمر آخر، و هو استحباب المخالفة بين الإمام و المأموم. كما لعلّه يستفاد من خبر أبي خديجة و غيره، بل و من خصوص الصحيح المزبور بناءً على إرادة الاجتماع من الأمرين بالقراءة، و التسبيح، فيكون قراءة الإمام فيه تحصيلًا لفضيلة المخالفة لا لأفضليّة من حيث الصلاة. و لا ينافيه الأمر بالقراءة مع أنّ المخالفة تحصل بكلٍّ منهما؛ لاحتمال أنّ الأمر بها من جهة نهي المأموم عن القراءة خلف الإمام- كما في صحيح جميل و غيره من النصوص المذكورة في باب الجماعة- و توظيف التسبيح له، فأمر الإمام بها بناءً على محافظة المأموم على وظيفته.
و لذا لو اتّفق احتياج المأموم للقراءة أمر الإمام بالتسبيح كما يومئ إليه خبر أبي خديجة الآتي ( [١])، فتأمّل جيّداً.
٩/ ٣٣٠/ ٥٣٨
بل قد يقال: بأنّ مقتضى الجمع بينه و بين الصحيح المزبور التخيير للإمام، فيكون حينئذٍ من قبيل النصوص الآمرة بالقراءة منفرداً أو بالتسبيح منفرداً التي لا دلالة في كلّ منهما على أفضلية أحدهما؛ ضرورة إلغاء ما يشعر به كلّ منهما- من التعيين- بالآخر، و هذا بخلاف النصوص التي يستفاد منها التعيين من غير جهة ظاهر الأمر، بل إمّا بالتصريح أو غيره، فإنّه بعد قيام الإجماع مثلًا على التخيير لا بدّ من تنزيل التعيين المزبور على الأفضليّة، فتأمّل جيّداً فإنّه ربّما دقّ. و عليه بنينا الاستدلال على أفضلية التسبيح مطلقاً بجملة من النصوص المزبورة. هذا كلّه مع احتمال الصحيح التقيّة.
١- إمّا لعدم اعتبار وجود قائل بالخصوص فيها، بل يكفي مجرّد إيقاع الخلاف بين الشيعة كي لا يعرفوا فيؤخذوا.
٢- و إمّا لأنّ المراد بها تعليم التقيّة في العمل، بمعنى أنّكم إذا كنتم أئمّة فاقرءوا؛ لأنّه غالباً يحصل في الجماعة منهم، و لأنّ الإمام منكم ممّا يتجسّس عن أحواله و أفعاله، و لعلّ ما في صحيح جميل من قوله (عليه السلام): «فيسعك» ( [٢]) إيماء إليه.
على أنّ المنقول عن أبي حنيفة منهم التخيير بين القراءة و التسبيح و السكوت، و أنّ القراءة أفضل ( [٣]).
خلافاً للمحكي عن الشافعي فالقراءة، فأوجبها في الأخيرتين ( [٣])، و لمالك في ثلاث ركعات من الرباعية ( [٣])، فلعلّ الأمر بالقراءة لإيهام الوجوب.
و بذلك كلّه بان لك ما في النصوص الباقية خصوصاً خبر محمّد بن حكيم الذي هو مع ذلك ضعيف السند، و قلّ من أفتى بمضمونه من إطلاق الفضل المستلزم لطرح تلك النصوص رأساً. و مثله التوقيع الذي ظاهره وقوع النسخ بعد النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)، و وجوب القراءة أو أفضليّتها مطلقاً بقرينة السؤال، و لفظ الخداج الذي هو بمعنى النقصان كما قيل ( [٦])، و قد عرفت قلّة المفتي بهما، و ظاهره أيضاً أنّ المراد من قول العالم كلّ ركعة من كلّ صلاة، و هو كما ترى. و أمّا التأييد بما سمعت فمنه ما هو غير مجدٍ، و منه ما هو غير مسلّم، كدعوى أنّه الأوفق بالاحتياط؛ إذ فيه: أنّ شبهة القول بوجوب التسبيح أقوى نصّاً و فتوى، مع الإشكال في الجهر بالبسملة من الفاتحة و عدمه. فلا محيص حينئذٍ بعد ذلك كلّه عن القول بأفضلية التسبيح مطلقاً من حيث الصلاة.
إذ لم يبق معارض لتلك النصوص إلّا خبر عليّ بن حنظلة الذي- مع ضعف سنده- يجب طرحه في مقابلتها أو تأويله بإرادة التسوية في الإجزاء ردّاً على من عيّن القراءة منهم، أو غير ذلك، و اللّٰه أعلم بحقيقة الحال.
[١] هذا الخبر تقدّم لا أنّه يأتي.
[٢] هذا من صحيح منصور، لا جميل المتقدّمان.
[٣] المجموع ٣: ٣٦١.
[٦] القاموس المحيط ١: ٣٩٠.