جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٩ - الأوّل النيّة
................
-
خطور الغاية في الذهن عند الفعل، بل يكفي وجودها في الخزانة، بل لا يتوقّف على تصوّر الفعل حين الفعل، بل تصوّره السابق مجزٍ، بل تعيينه السابق- حيث يكون متعدّداً- أيضاً كافٍ.
نعم قد يحتاج إلى خصوص التعيين إذا فرض عدم انبعاث الإرادة المؤثّرة في وقوعه عن تصوّر غاية الفعل المعيّن. و لعلّ الحكم في النصوص ( [١])- بكون ما في يده من الأفعال لما قام لها من الفريضة- يومئ إلى بعض ما ذكرناه على أحد الوجهين؛ إذ يمكن أن يكون ذلك لانبعاث تلك الإرادة عن التعيين الذي حصل في الذهن و وقع القيام له. فظهر من ذلك أنّه لا يتوقّف في كون الفعل منويّاً مقصوداً به الامتثال على أزيد من مقارنته أوّل الفعل لتلك الإرادة المنبعثة عمّا عرفت.
و لا يحتاج الى خطور غيرها فضلا عن الاستحضار الذي هو في الحقيقة علم بالخطور و التفات آخر للقلب إلى ما حصل فيه من تلك الإرادة، كباقي المعاني التي تحصل للإنسان من الفرح و الهمّ و الغمّ و الجوع و الشبع و نحوها، فإنّ حصولها شيء، و العلم بحصولها شيء آخر. و من الواضح عدم توقّف حصولها على تصوّره و الالتفات إليه و العلم به، فحينئذٍ حصول القصد إلى الفعل غير محتاج إلى الاستحضار المزبور و الإخطار؛ إذ لا يكاد يخفى على ذي مسكة وقوع الأفعال من الفاعلين- على وجه يعدّون به من المختارين غير الغافلين و الساهين- من دون تصوّر القصد المتعلّق بها و بلا التفات للنفس إلى ذلك، و العلم بوجود المكلّف به واقعاً أو شرعاً أمر آخر لا مدخليّة له فيما نحن فيه؛ إذ يكفي فيه حصوله و لو بعد الفراغ من الفعل فضلًا عن حال النيّة. على أنّ ما ذكروه من الإخطار لو كان منشؤه ذلك لوجب في سائر أفعال الصلاة؛ ضرورة توقّف الجميع على حصول العلم بالمكلّف به، على أنّ حصول القصد المقارن للفعل ضروري للنفس غير محتاج إلى التفاتها إليه، فهو كالوجع غير محتاج العلم به إلى الإخطار المزبور. و الذي أظنّه أنّ الأصحاب أجلّ من أن يخفى عليهم ذلك.
و قد صرّحوا بأنّ النيّة أمر بسيط هو القصد إلى الفعل المعيّن ( [٢]). إلّا أنّهم لمّا أرادوا تصوير ذلك باللفظ لإفهام المكلّفين- و لم يكن ثَمَّ لفظ موضوع للدلالة مطابقةً على نفس القصد المزبور- احتاجوا في بيانه إلى لفظ «اصلّي» و نحوه ممّا معناه «أقصد» الذي هو زائد على نفس حصول القصد؛ إذ هو كقولك: «أطلب الضرب» الذي يدلّ بالالتزام على النسبة الناقصة التي هي حصول الطلب في النفس. و لعلّهم يريدون من لفظ «أقصد» المعنى الإنشائي الذي [هو] عين تعلّق القصد بالمقصود، فلا يكون زائداً على ما ذكرناه من الداعي. و قولهم: «إخطار» و «استحضار» و نحوهما يراد به حيث يكون المكلّف خالياً من التصوّر السابق التي تكون الإرادة منبعثة عنه و كان الخطور موقوفاً عليهما، أو نفس خطور القصد المزبور بحيث لا يكون غافلًا و لا ساهياً و لا موجداً للفعل بإرادة اخرى منبعثة عن غرض آخر، لا أنّ مرادهم تصوّر خطور القصد الذي لا مدخلية له في وجوده كما هو واضح.
و من ذلك و نحوه ظنّ متأخّرو المتأخّرين ( [٣]) من هذه الألفاظ في كلامهم اعتبارهم هذا التصوّر في تحقّق النيّة مع وضوح عدم توقّف شيء من الأفعال على ذلك، على أنّه ربّما كان الداعي إلى كثرة ما سمعته من الكلام و زيادة الإيضاح شدّة الاحتياط في العبادة و شدّة اعتبار النيّة فيها، و أنّها في الأعمال بمنزلة الروح في البدن. مضافاً إلى ما في بعض النصوص من بيان حكمة رفع اليدين بالتكبير بأنّ فيه إحضار النيّة و إقبال القلب على ما قصد ( [٤]) ممّا يشعر برجحان الإخطار المزبور، و اللّٰه أعلم.
[١] الوسائل ٦: ٦، ٧، ب ٢ من النيّة، ح ١، ٣.
[٢] المسالك ١: ١٩٦.
[٣] الحدائق ٨: ١٥.
[٤] الوسائل ٦: ٢٩، ب ٩ من تكبيرة الإحرام، ح ١١.