جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٨ - الأوّل النيّة
[و لا يجب في النيّة الاخطار الذي هو حديث فكري و تصوّر قلبي، بل يكفي فيها الداعي].
و الظاهر أنّ [المراد] [١] به [أي الداعي] الإرادة- المسمّاة بالباعث في لسان الحكماء- المؤثّرة في وجود الفعل من الفاعل المختار المنبعثة عن تصوّر الغاية و الإذعان بها [٢].
[على وجه يخرج به عن الغافل و الساهي].
[و يكفي في تصوّره حصوله إجمالًا و لو بعد الفراغ من الفعل].
-
(١) [كما هو] مرادهم [بذلك].
(٢) و كشف الحال أنّ القلب له معنيان:
أحدهما: اللحم الصنوبري الذي في تجويفه دم أسود. و الثاني: لطيفة ربّانية روحانيّة لها تعلّق بالقلب الجسماني، و هو المُدرِك من الإنسان و المكلَّف المخاطب؛ إذ به يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات، بل هو حقيقة الإنسان بخلاف الأوّل المشترك بينه و بين غيره، و يطلق عليه بهذا المعنى العقل، بل ربّما اطلق عليه اسم الروح و النفس، كما أنّه قد يطلقان على غيره، بل العقل أيضاً قد يطلق على غير المعنى المزبور.
ثمّ إنّ للقلب جنوداً؛ و ذلك لأنّه لمّا كان اكتساب الكمالات الإنسانية موقوفاً على البدن فلا بدّ من حفظه بجلب ما يوافقه و دفع ما ينافيه، فأنعم اللّٰه تعالى على القلب بجندين: باطن و هو الشهوة، و ظاهر و هو آلتها. و لمّا توقّف الشهوة للشيء و النفرة عنه على معرفة ذلك أنعم اللّٰه عليه في المعرفة بجندين باطنيّين، أحدهما: الإدراكات الخمس، و منازلها الحواسّ الخمس الظاهرة.
و ثانيهما: القوى الخمس، و منازلها تجويف الدماغ، فإذا علم الموافق اشتهاه و انبعث على جلبه، و إذا علم المنافر نفر عنه و انبعث على دفعه، و الباعث يسمّى إرادة، و هي المعبّر عنها عند الأصحاب بالداعي؛ لأنّها هي التي تدعو لوقوع الفعل و وجوده في الخارج، بل ربّما كانت العلّة التامة فيه باعتبار أنّها جزء أخير، و المحرّك للأعضاء قدرة. فجميع جنود القلب ثلاثة: الإرادة و القدرة و القوى الدرّاكة الظاهرة و الباطنة.
و لمّا اصطحبت في الإنسان هذه الجنود اجتمعت فيه أربعة أوصاف:
١- سبعيّة تحمله على العداوة.
٢- و بهيمية تحمله على الشره و الحرص.
٣- و ربّانية تحمله على الاستبداد و الانسلال من القيود السفلانية و الإطلاق عن ربقة العبودية.
٤- و شيطانية تحمله على المكر و الخديعة.
فمن تسخّرت نفسه للصفة الربّانية فحبل اللّٰه قصده و الآخرة مستقرّه، و الدنيا منزله، و البدن مركبه، و اللسان ترجمانه، و الأعضاء خدمه، و الحواس جواسيسه، تؤدّي ما تطّلع عليه من المحسوسات إلى الخازن، و هو القوّة الخيالية، ثمّ يعرض الخازن ذلك على- الملك أعني حقيقة الإنسان- فتقتبس منه ما يحتاج إليه في تدبير منزله و نيل السعادة في آخرته، و لتمام تحقيق هذه المطالب محل آخر. إنّما المراد بيان أنّ الداعي عبارة عن تلك الإرادة المؤثّرة في وجود الفعل المنبعثة عن تصوّر غاية الفعل، و بها يكون الفعل منويّاً.
إلّا أنّه إذا كان عبادة اعتبر فيها كونها منبعثة عن إرادة قصد الامتثال و ما تصوّر له من الغايات و أذعن بها، و لا يتوقّف ذلك على